افرمور Ever more الجزء الثاني The Meeting - لقاءٌ مقدر - بقلم حاجة نور - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: افرمور Ever more الجزء الثاني The Meeting
المؤلف / الكاتب: حاجة نور
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: لقاءٌ مقدر

لقاءٌ مقدر

العاصمةُ لا تُعيدُ أحدًا بسهولة. هذا ما فهمتُه خلال الأشهرِ الأربعةِ التي تلت وصولنا. كانت مدينةً ضخمةً إلى درجةٍ مخيفة. كلُّ شارعٍ يقودُ إلى عشرةِ شوارع، وكلُّ وجهٍ يختفي قبل أن تحفظه الذاكرة. ومع ذلك… كان سيباستيان يرفضُ الاستسلام. --- في صباحِ اليومِ التالي لوصولنا، ذهب مع نيكولا. أتذكرُ صوتَ خطواتِه قبل خروجه. ثقيلة. متوترة. كأنَّ كلَّ خطوةٍ تحملُ أعوامًا من الذنب. قال لي قبل أن يغادر: "ابقَي هنا." أجبته بهدوء: "أعده إليك." ساد الصمتُ لثوانٍ. ثم سمعتُه يزفرُ ببطء. "سأحاول." لكنني كنتُ أعرفُ سيباستيان جيدًا الآن. هو لا "يحاول". هو يُطاردُ الأشياءَ حتى النهاية. --- بدأ البحث. ليس بحثًا عاديًا… بل مطاردةً لشبح. لم يكن بإمكانهما سؤالُ الجنود. ولا نشرُ اسمه. ولا وصفُه للناس. لأنَّ الجنودَ أنفسهم كانوا يبحثون عنه. عن الجنديِّ الذي اختفى بعد المجزرة. الجنديِّ الذي رفض تنفيذ الأوامر. الجنديِّ الذي نجا… وكان يجبُ ألّا ينجو. --- كان نيكولا يعودُ أحيانًا متعبًا من المستشفى، لكن سيباستيان لا يتوقف. يسألُ أصحابَ الحانات. الجنودَ القدامى. باعةَ السجائر. الخيّاطين. سائقي العربات. أيُّ رجلٍ يحملُ عينين زرقاوين لامعتين؟ أيُّ جنديٍّ سابق؟ أيُّ شخصٍ يختفي كلما اقتربتْ منه الأسئلة؟ لكن العاصمة… كانت تبتلعُ الأسماء. --- مرَّ شهر. ثم شهران. ثم ثلاثة. وفي كل مرةٍ يعودُ فيها سيباستيان، كان صوته يزدادُ تعبًا. أما أنا… فكنتُ أسمعُ الليلَ يلتهمه. أحيانًا أستيقظُ فأجده جالسًا قرب النافذة بصمت. لا يتحرك. لا يتكلم. فقط يدخنُ وكأنه يحرقُ شيئًا بداخله. --- في إحدى الليالي، انفجرتْ سيلين أخيرًا. "أنتَ ستقتلُ نفسك هكذا!" قال ببرود: "ليس قبل أن أجده." "وماذا إن كان لا يريدُ أن يُوجد أصلًا؟!" ساد الصمت. ثم قال بصوتٍ منخفضٍ جدًا: "إذن سأكرهه… بعد أن أراه حيًا." ولأول مرة… شعرتُ أنَّ سيباستيان لم يكن يبحثُ عن ادموند فقط. بل كان يبحثُ عن الجزءِ الذي مات منه يومَ ظنَّ أنه فقده. --- وبعد أربعةِ أشهر… حدث الأمرُ بالصدفة. صدفةٍ سخيفةٍ جدًا لدرجةٍ تجعلُ القدرَ يبدو ساخرًا. --- كان سيباستيان قد خرج مع نيكولا لشراءِ معطفٍ جديد بعد أن مزّقَ القديمُ أثناء شجارٍ مع أحد السكارى. وقد أخبرنا لاحقًا أنَّه كان غاضبًا أصلًا لأن نيكولا ظلَّ يسخرُ من مظهره طوال الطريق. قال له: "أنت تبدو كقاتلٍ مأجور لا كرجلٍ يريد شراء ملابس." فأجابه سيباستيان: "وأنت تبدو كطبيبٍ يسرقُ مرضاه." ثم دخلا المتجر وهما يتشاجران. --- كان المكانُ مزدحمًا. أقمشة. ضحكات. نساءٌ يتحدثن. أصواتُ مقصات. ثم… تجمّد سيباستيان فجأة. قال نيكولا لاحقًا إنَّ وجهه شحبَ بالكامل. كأنَّه رأى شبحًا. وعلى الجهةِ الأخرى من المتجر… كان هناك رجلٌ طويل. أسودَ الشعر، ببشرةٍ بيضاء شاحبة قليلًا، وملامحَ حادّةٍ نحتها التعبُ والسنوات. أما عيناه… فكانتا زرقاوين بشكلٍ لافت، ذلك الأزرق اللامع الذي يبدو هادئًا من بعيد، لكنه يخفي عاصفةً كاملة. كان يرتدي ملابسَ أنيقةً لا تشبهُ الجنود، ومع ذلك بقي في وقفته شيءٌ عسكريٌّ صلب… شيءٌ لم تستطع الحربُ انتزاعه منه. وبجانبه امرأةٌ تضحكُ وهي تختارُ الأقمشة. لكن سيباستيان لم يرَ المرأة. بل رأى الرجل فقط. رآه… بعد سنواتٍ من الموت. ادموند. --- قال نيكولا إن سيباستيان تحركَ فجأةً نحوه بسرعةٍ مخيفة. حتى إنه ظنَّ للحظةٍ أنه سيحتضنه. لكن… أولَ ما التفتَ ادموند نحوه… لكمه سيباستيان بقوة. قوةٍ جعلت الرجلَ يسقطُ على الأرض. تجمّد المتجر كله. صرختِ المرأةُ المرافقة: "ماكس!" لكن سيباستيان لم يسمعها. كان يرتجف. يرتجفُ بعنفٍ كأنَّ جسده لم يعد يحتملُ كلَّ تلك السنوات. ثم صرخ فيه بصوتٍ مكسور: "أيها الوغد…!" نهض ادموند ببطء، واضعًا يده على فكه. وعيناه… كانتا مصدومتين بالكامل. اقتربَ منه سيباستيان مرةً أخرى، وأمسكه من ثيابِه بعنف. "أنت حي؟!" ارتجفَ صوته فجأة. "أنت… حي؟!" ثم انكسر. تمامًا. قالها وهو يبكي: "لماذا تركتني أعتقدُ أنك مت؟!" ساد الصمتُ في المتجر. صمتٌ ثقيلٌ ومؤلم. ثم… احتضنه ادموند بقوة. وكأنَّه هو أيضًا كان ينهار. سمعه نيكولا يهمسُ بصوتٍ مختنق: "وأنا ظننتُ أنك مت أيضًا…" --- بكيا. رجلان نجيا من الحرب… لكن الحربَ لم تنجُ منهما. --- بعد دقائق، خرجا من المتجر بصمت. أما المرأةُ التي كانت مع ادموند… فبقيت تحدّقُ فيهما بذهول. حتى قال لها أخيرًا: "ليلي… سأشرحُ لكِ كل شيء." ثم التفتَ إلى سيباستيان. كانت عيناه ممتلئتين بشيءٍ غريب. راحة؟ خوف؟ ألم؟ ربما كلها معًا. وقال بهدوءٍ متعب: "اسمي لم يعد ادموند هنا." قطّب سيباستيان حاجبيه. فأكمل: "أنا الآن… ماكس." ثم نظر نحو المرأة الواقفة خلفه. "وهذه زوجتي… ليلي."