افرمور Ever more الجزء الثاني The Meeting - الطريق إلى العاصمة - بقلم حاجة نور - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: افرمور Ever more الجزء الثاني The Meeting
المؤلف / الكاتب: حاجة نور
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الطريق إلى العاصمة

الطريق إلى العاصمة

لم أكن أحبُّ الوداع. حتى حين كنتُ صغيرة، كنتُ أكرهُ صوتَ الأقدامِ وهي تبتعد، وأكرهُ الصمتَ الذي يأتي بعدها. لكنَّ الأصعبَ من الوداع… هو الرحيلُ نحو شيءٍ لا تعرفه. منذُ أن قرأ سيباستيان رسالةَ نيكولا، تغيّر البيتُ كلّه. لم يعد ذلك المنزلُ الصغيرُ المليءُ برائحةِ القهوةِ والخشبِ القديمِ كما كان. صار الصمتُ أثقل. وصار سيباستيان يمشي ليلًا بلا توقّف، كأنّ شيئًا يطارده داخل رأسه. أما أنا… فكنتُ أشعرُ أنَّ قلبي عالقٌ بين خوفين: الخوفِ من أن يكونَ ادموند حيًّا فعلًا. والخوفِ الأكبر… من أن أجدهُ متغيّرًا لدرجةٍ لا أعرفه معها. --- في صباحٍ بارد، سمعتُ صوتَ حقيبةٍ تُغلقُ بعنف. قال سيباستيان بجمود: "سنذهبُ إلى العاصمة." رفعتُ رأسي فورًا. "متى؟" "غدًا." كادت سيلين تختنقُ بما كانت تشربه. "غدًا؟! هكذا فجأة؟!" "كلُّ يومٍ نتأخرُ فيه… قد يجعلنا نفقدُ أثره." ثم صمت قليلًا قبل أن يضيف: "إن كان ما يزالُ هناك أصلًا." لم أسمع الحزنَ في صوته فقط… بل الذنب أيضًا. ذنبُ رجلٍ ظنَّ لسنواتٍ أنّ صديقَه مات وهو حي. --- في تلك الليلة، لم أنم. كنتُ أجلسُ قرب النافذةِ المفتوحة، أتحسسُ الهواءَ الباردَ بأصابعي. المدينةُ هنا كانت هادئة. أما العاصمة… فكنتُ أسمعُ عنها منذ طفولتي وكأنها عالمٌ آخر. مدينةٌ لا تنام. مدينةٌ لا يعرفُ أحدٌ فيها أحدًا. مدينةٌ يمكنُ أن يختفي فيها الإنسانُ بسهولة… أو يولدَ فيها من جديد. هل اختفى ادموند هناك؟ أم دفنَ نفسهُ بنفسه؟ --- في الصباح، تحوّل البيتُ إلى فوضى حقيقية. سيلين كانت تركضُ في كل مكان. "أين وضعتُ الوشاح؟!" ثم بعد ثوانٍ: "من أخذ حقيبتي؟!" ثم: "سيباستيان! لماذا حقيبتك أصغرُ من حقيبتي رغم أنك رجل؟!" ردَّ ببرود: "لأنني لا أحملُ خمسةَ أزواجٍ من الأحذية." شهقتْ بصدمة: "الأحذيةُ ضرورة!" قال: "الحربُ أيضًا كانت ضرورة، وانظري أين أوصلتنا." ساد الصمتُ لثانيتين… ثم انفجرتُ ضاحكة. وسيلين أيضًا. حتى سيباستيان… سمعتُ زفرةً قصيرةً منه تشبهُ ضحكةً حاولَ إخفاءها. --- حين خرجنا، شعرتُ بالخوف. كنتُ أتشبثُ بعصاي أكثر من المعتاد. الأرضُ هنا مختلفة. أصواتُ العرباتِ أكثر. الناسُ أكثر. الروائحُ أكثر. رائحةُ الخبز. الدخان. الخيول. العطر. المطرِ القديمِ العالقِ بالحجارة. كلُّ مدينةٍ لها رائحة. والعاصمة… كانت رائحتها تشبهُ شيئًا ضخمًا لا يمكن الإمساكُ به. --- استغرقتِ الرحلةُ يومين تقريبًا. وفي الطريق، أدركتُ شيئًا مهمًّا: سيلين لا تستطيعُ البقاءَ صامتةً أكثر من خمس دقائق. كانت تتحدثُ مع الجميع. مع السائق. مع الباعة. حتى مع امرأةٍ عجوزٍ كانت تبيعُ البيض. أما سيباستيان… فكان يزدادُ عبوسًا كلما تحدثت أكثر. وفي إحدى المحطات، سمعته يقول لها: "أقسمُ أنكِ لو وُضعتِ وحدكِ في صحراء… ستجدينَ طريقةً للتشاجرِ مع الرمال." ضحكتُ بقوةٍ حتى كدتُ أسقط. صرختْ سيلين: "إيلين! لا تضحكي معه! إنه وقح!" قال ببرود: "لكنني صادق." --- حين وصلنا العاصمة… تجمّدتُ. ليس لأنني رأيتها. بل لأنني سمعتها. يا إلهي… كم كان صوتها مرعبًا. عجلات. صراخُ باعة. أطفالٌ يركضون. أبوابٌ تُفتحُ وتُغلق. خيول. ضحكات. موسيقى بعيدة. كان العالمُ كله يتحركُ دفعةً واحدة. تمسكتُ بذراعِ سيلين فورًا. فهمتْ خوفي مباشرة. همستْ لي: "أنا هنا." لكنني رغم ذلك… شعرتُ بالضياع. في القرى، كنتُ أحفظُ الطرقاتِ بعددِ الخطوات. أما هنا… فهناك ألفُ طريقٍ في خطوةٍ واحدة. --- استأجرنا غرفتين صغيرتين فوق مخبز. وكان صاحبُ المخبز رجلاً كثيرَ الكلام لدرجةٍ جعلت سيباستيان يندمُ بعد أول خمس دقائق. قال الرجل: "العاصمةُ خطيرة هذه الأيام." سأله سيباستيان: "لماذا؟" "الجنودُ يبحثون عن رجل." توقّف قلبي. سمعتُ الكرسيَّ يتحركُ بعنفٍ حين نهض سيباستيان. "أيُّ رجل؟" خفضَ الرجلُ صوته: "لا أعرف الاسم الحقيقي. لكنهم يقولون إنه جنديٌّ سابق اختفى منذ سنوات." صمت. ثم أضاف: "ويبدو أن هناك من يريدُ موتهُ بشدة." شعرتُ بقشعريرةٍ تسري في جسدي. ادموند. لا بدَّ أنه هو. --- في تلك الليلة، لم يتحدث سيباستيان كثيرًا. لكنه قبل النوم قال فجأة: "غدًا سأذهبُ إلى المستشفى الذي يعملُ فيه نيكولا." ثم أكمل بصوتٍ أخفض: "وإن كان ادموند هنا فعلًا… فسأجده." لا أعرف لماذا… لكنَّ قلبي ارتجف حين قالها. ليس خوفًا من اللقاء. بل خوفًا من الحقيقة التي قد تأتي بعده. لأنَّ بعضَ الناس… حين يختفون طويلًا… لا يعودون كما كانوا أبدًا.