صديقٌ مشترك
ساد الصمت.
ذلك النوعُ من الصمت الذي يجعل المرءَ يسمع أنفاسه بوضوح.
ثم بدأ يقرأ:
> "إلى سيباستيان…
وصلتُ إلى المدينة بخير وعدتُ إلى عملي في المستشفى.
لا تقلق، ما زلت حيًا رغم أن المرضى يصرّون يوميًا على اختبار صبري."
ابتسمتُ بخفة.
ذلك يشبه نيكولا فعلًا.
لكن صوتَ سيباستيان تغيّر فجأة أثناء القراءة.
تباطأ.
ثم… توقف.
رفعتُ رأسي مباشرة. "ماذا هناك؟"
لم يجب.
سمعتُ فقط احتكاكَ الورق بين أصابعه.
قالت سيلين بقلق: "سيباستيان؟"
ثم أكمل أخيرًا بصوتٍ أثقل:
> "هناك أمرٌ لم أتوقعه…
أقبل إليّ رجلٌ يسأل عن حالةِ عمى زائل بسبب إصابةٍ قديمة في الرأس.
وحين رفعتُ عيني نحوه…
كان أدموند."
توقفت أنفاسي.
أدموند.
ذلك الاسم الذي كان يخرجُ من سيباستيان دائمًا كأنه اسمُ شخصٍ دفنه بيديه.
---
أكمل القراءة:
> "إنه حي.
حيٌّ بالفعل.
ولم أستطع إخباره أنك حي أيضًا… لم أعرف كيف أقولها بعد كل هذه السنوات."
ثم انتهت الرسالة.
لكن شيئًا داخلي لم ينتهِ.
---
اقتربتُ ببطء.
قلتُ بصوتٍ خافت: "سيباستيان… احكِ لي عنه."
طال الصمت.
حتى سيلين لم تتكلم هذه المرة.
ثم جلس سيباستيان أخيرًا على الكرسي الخشبي وقال بصوتٍ بعيد: "كان أحمق."
قالتها سيلين فورًا: "هذا وصفك لكل شخص تحبه."
تنهد بخفة، ثم أكمل:
"كنتُ أنا وهو ضمنَ فرقةٍ أُرسلت شمالًا قرب الحدود الشرقية."
توقف.
لكن هذه المرة… كان هناك شيء ثقيل في صوته.
شيء يشبه الرماد.
"في البداية قيل لنا إن المهمة مجرد مواجهة قوةٍ متمردة."
سكت قليلًا.
ثم أكمل ببطء: "لكن حين وصلنا… اكتشفنا الحقيقة."
قبضتُ على طرفِ ثوبي دون شعور.
قال: "لم يريدوا منا قتالَ الجنود فقط."
طال الصمت.
ثم خرجت الكلمات منه كأنها تؤلمه:
"أُمرنا بحرق القرية كاملة."
شعرتُ أن الهواء أصبح أبرد.
أما سيلين فشهقت بخفوت: "ماذا…؟"
أخفض سيباستيان رأسه قليلًا.
"نساء… أطفال… شيوخ… لم يكن يهم."
ثم ضحك ضحكة قصيرة بلا حياة. "كانوا يسمّون ذلك تطهيرًا."
ارتجفت أناملي.
وللمرة الأولى… فهمت لماذا يبدو سيباستيان كرجلٍ عاد من الجحيم وترك قلبه هناك.
أكمل بصوتٍ خافت: "أدموند رفض."
صمت.
"وأنا أيضًا."
ثم رفع رأسه نحو الفراغ.
"حين بدأت النيران… تحوّل كل شيء إلى فوضى."
كنتُ أسمع أنفاسه الثقيلة بوضوح.
"انفجارٌ أصاب الجهة الغربية… وسقطتُ أنا وأدموند أثناء الهجوم."
توقف.
ثم قال بصوتٍ مكسور للمرة الأولى: "كلٌّ منا ظن أن الآخر مات."
ساد الصمت.
لكن داخلي لم يكن صامتًا أبدًا.
لأن المطر…
والنار…
والطريق…
كلها كانت مألوفة.
همستُ دون وعي: "وكانت السماء تمطر بشدة تلك الليلة…"
توقف سيباستيان فجأة.
"...كيف عرفتِ ذلك؟"
شعرتُ بنبضات قلبي ترتفع.
ثم قلتُ بصوتٍ مرتجف:
"لأنني التقيتُ أدموند بعد تلك الليلة."
وفي تلك اللحظة…
شعرتُ أن الماضي، الذي ظن الجميع أنه دُفن تحت الحرب…
عاد حيًا مرةً أخرى.