نفسٌ ثقيل
طلعَ الصباحُ على بيتِ سيباستيانَ ببطءٍ ثقيل.
الضوءُ تسلّلَ من شقوقِ النوافذِ العاليةِ كأنّهُ يتردّدُ قبلَ أن يدخلَ هذا المكان.
استيقظتُ على رائحةِ الخبزِ الدافئِ وصوتِ سيلينَ وهيَ ترتّبُ شيئًا في الزاوية.
"نيكولا يستعدُّ للرحيل." قالتْ دونَ أنطقَ سؤالًا.
"سيعودُ إلى المدينةِ قبلَ الظهيرة."
نهضتُ أتحسّسُ طريقي نحوَ وسطِ القاعة.
الهواءُ هنا أخفُّ من ليلةِ البارحة. كأنّ شيئًا انفرجَ قليلًا، ولو للحظة.
سمعتُ خطواتِ نيكولا السريعةَ قبلَ أن يصلَ صوتُهُ:
"إيلين! ألم تستيقظي بعدُ؟ كنتُ أظنُّ أنّكِ تنامينَ واقفةً كالحصان!"
ضحكتُ رغمَ ثقلِ جسدي.
"الحصانُ لا يحتاجُ إلى عصا."
"صحيح." قالَ وهوَ يقتربُ حتى شعرتُ بحرارتِهِ قريبةً مني.
"لكنّكِ أعنَدُ من حصان. لذلكَ سأقولُها الآنَ قبلَ أن أرحل: لا تموتي حتى أعود."
"وعدٌ سهل." أجبتُ.
"أنا لم أمتْ حتى الآنَ رغمَ كلِّ محاولاتِهم."
سمعتُه يتنهّدُ بابتسامةٍ في صوتِهِ.
"هذا ما أخشاهُ فيكِ. أنّكِ تخرجينَ من كلِّ شيءٍ حيّةً، ثمَّ تنسينَ أن تطلبي المساعدة."
وضعتُ يدي على ذراعِهِ.
"عدْ سالمًا يا نيكولا. وإن رأيتَ شيئًا يشبهُ الأملِ في المدينةِ… احتفظْ بهِ لي."
"سأحضرُهُ لكِ في صندوقٍ مغلقٍ حتى لا يهرب." قالَ بمرحٍ مفتعل.
ثمَّ خفّضَ صوتَهُ:
"واعتني بنفسِكِ. سيباستيانُ لا يُظهرُ القلقَ، لكنّهُ يراقبُكِ كأنّكِ قنبلةٌ قد تنفجرُ في أيِّ لحظة."
التفتُّ نحوَ الجهةِ التي يقفُ فيها سيباستيانُ عادةً.
لم أسمعْهُ، لكنّي شعرتُ بوجودِهِ.
حضورُهُ الثقيلُ كانَ في الزاويةِ كالظلِّ الصامت.
"قلْ لهُ إنّي لن أنفجر." قلتُ بصوتٍ منخفضٍ يكفيهِ هوَ فقط.
نيكولا ضحكَ ضحكةً قصيرة.
"سأقولُ لهُ ذلك. وسيردُّ عليّ بالصمتِ كالعادة."
خطواتُهُ ابتعدتْ قليلًا، ثمَّ عادَت.
"سيلين، اعتني بها. وإن ضاعتْ، اسألي عن رائحةِ الخبز. هيَ تتبعُها كالقطط."
"اذهبْ قبلَ أن أضربَكَ بعصايَ." قلتُ بلهجةٍ جادّةٍ مزيفة.
"مخيفةٌ حينَ تهدّدين." تمتمَ، ثمَّ قالَ بصوتٍ أعلى:
"حسنًا… سأذهبُ الآن. لا تفتقداني كثيرًا. المدينةُ تحتاجُ طبيبًا، وأنا الطبيبُ الوحيدُ الذي يضحكُ في غرفةِ العمليّات."
سمعتُ صوتَ البابِ الخشبيِّ القديمِ يُفتحُ بهدوء.
هبّةُ هواءٍ باردٍ دخلتْ معهُ، تحملُ رائحةَ الشارعِ والضجيجِ البعيد.
"وداعًا يا إيلين." قالَ أخيرًا.
"وداعًا يا سيلين. وسيباستيان… إن سمعتني، لا تمتْ من المللِ وأنا غائب."
لم يردَّ سيباستيان.
لكنّي شعرتُ أنّ الصمتَ هذهِ المرّةَ لم يكنْ باردًا كالعادة.
كانَ صمتَ وداعٍ مكتوم.
أُغلقَ الباب.
وعادتِ القاعةُ إلى سكونِها.
سيلينُ اقتربتْ مني، صوتُها أهدأ:
"ذهب."
أومأتُ.
"إذنْ بقينا نحنُ والبيتُ والانتظار."
جلستُ على الكرسيِّ الخشبيِّ القريبِ، وأسندتُ العصا إلى جانبي.
البيتُ لم يعدْ غريبًا تمامًا.
صارَ فيهِ صوتٌ غاب، وفراغٌ تركَ خلفَهُ أثرًا.
همستُ لنفسي:
"المدينةُ كبيرةٌ يا نيكولا. لا تتأخّر."
فبعد رحيل نيكولا أصبحت أنفاس البيت أثقل مما كانت عليه.