افرمور Ever more الجزء الثاني The Meeting - في المدينة - بقلم حاجة نور - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: افرمور Ever more الجزء الثاني The Meeting
المؤلف / الكاتب: حاجة نور
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: في المدينة

في المدينة

لم أكن أعرف كيف تبدو المدينة… لكنني كنت أعرف كيف تبدو عندما تلمس قدمي أرضها. الأرض لم تعد خشنة مثل تراب قريتي، ولا باردة مثل قبو رافائيل. كانت مختلفة… كأنها مغطاة بطبقة رقيقة من الضجيج. نعم، الضجيج له شكل هنا. صوت العربات كان يمرّ قرب أذني كأنه يجرّ حجارة خلفه. أصوات الناس لم تكن كلمات فقط، بل طبقات متداخلة: ضحك، جدل، نداءات سريعة لا أفهمها كلها، وكأن المدينة تتكلم أكثر مما تتنفس. كان صوت سيلين هو الدليل الوحيد الذي يمنعني من الضياع. "لا تبتعدي عني خطوة واحدة يا إيلين، هنا الناس… لا ينتبهون لمن لا يرون الطريق." ضحكتُ بخفة رغم توتري. "وهل الناس الذين يرون الطريق ينتبهون؟" توقفت لحظة، ثم ضحكت هي أيضًا. "أحيانًا لا، لكن على الأقل لا يصطدمون بكِ ثلاث مرات في دقيقة واحدة." وبالفعل… اصطدمتُ بشخص. أو هو اصطدم بي. لا أعرف. كل ما أعرفه أن شيئًا صلبًا جدًا توقف فجأة أمامي، ثم سمعت صوتًا رجوليًا مرتبكًا: "آه! آسف… لم أكن أنظر—" قاطعه صوت سيلين سريعًا: "مستحيل، هذه جملة المدينة الرسمية. كلهم لا ينظرون." سمعتُ الرجل يتنحنح. "هل… هي بخير؟" وضعتُ يدي على ذراعه بلا وعي، أتحسس مكانه، ثم قلت بهدوء: "أنا بخير… أعتقد أن كتفك هو من يحتاج للاعتذار." صمت لحظة. ثم ضحكة قصيرة خرجت منه رغم محاولته إخفاءها. "أنتِ غريبة." أجبت بسرعة: "وأنت تصطدم بالناس بشكل محترف." ضحكت سيلين بصوت منخفض: "هذه بداية جيدة، لا بأس، المدينة قبل قليل كادت تبتلعكِ والآن أنتِ تمزحين." واصلنا السير. كنت أستمع لكل شيء: رائحة الخبز الساخن من جهة، رائحة معدن بارد من جهة أخرى، ورائحة عطر قوي يمر بسرعة ويختفي كأنه لا يريد أن يُمسك. "سنصل قريبًا." قالت سيلين. "هل بيت سيباستيان كبير؟" سألت. ترددت قليلاً. "كبير بما يكفي ليضيع فيه أي شخص لا يحب الاختلاط." "هذا يبدو مطمئنًا… أو مخيفًا." "يعتمد على مزاجك." --- حين وصلنا، لم أسمع بابًا كبيرًا كما توقعت… بل سمعت صوت خشب قديم يفتح بهدوء، كأنه لا يريد إزعاج أحد. دخلنا. الهواء كان مختلفًا هنا. أبرد. أنظف. لكنه ثقيل بصمت غير مريح. خطواتنا كانت الصوت الوحيد تقريبًا. ثم سمعت صوتًا آخر. ليس عاليًا. ليس ودودًا. بل… ثابتًا بشكل غريب. "من؟" سألت سيلين بسرعة: "أنا… جئت كما وعدت." صمت. ثم صوت خطوات بطيئة. خطوات محسوبة، كأن صاحبها لا يحب إهدار الحركة. ثم جاء صوته أقرب: "لم أقل إنكِ تستطيعين إحضار أحد." شعرتُ بشيء يشبه التوتر في الهواء، ليس خوفًا… بل برودة. قالت سيلين بسرعة: "هي ليست مشكلة. هي إيلين." توقف الصوت. كأن الاسم نفسه أوقف الزمن لحظة. ثم قال: "…إيلين؟" لم أعرف لماذا شعرت أن الاسم خرج منه بطريقة مختلفة. ليس دهشة فقط… بل شيء أعمق، كأنه يعرف الاسم أكثر مما يريد الاعتراف. رفعت رأسي قليلاً رغم أنني لا أرى شيئًا. "نعم… أنا إيلين." صمت طويل. ثم سمعت صوتًا آخر يدخل الغرفة فجأة، أخف وأكثر حيوية: "آه! إذن هذه هي الفتاة؟ أخيرًا! كنت أظن أنكِ أطول أو… أو أقل تهديدًا!" سمعتُ خطوات سريعة تقترب مني. ثم صوت خفيف جدًا كأنه يقترب ليراني بعينيه بدلًا من عينيّ: "أنا نيكولا." لم أستطع منع نفسي: "وأنا… هل يجب أن أبدو تهديدًا لأكون مناسبة؟" ضحك فورًا. "هذه ممتازة! أعتقد أننا سنكون أصدقاء." لكن الصوت الأول قاطعه ببرود: "نيكولا، لا تتصرف كالأطفال." نيكولا تمتم: "أنا لست طفلًا، أنا فقط أقل اكتئابًا منك." صمت. ثم شعرت بأن الرجل البارد يقترب. وقف أمامي. لم يقل شيئًا في البداية. لكنني شعرت به. ليس رؤية… بل حضور ثقيل، كأنه يملأ المكان دون أن يتحرك كثيرًا. قال أخيرًا: "أنا سيباستيان." أجبت بهدوء: "أعرف." "كيف؟" ابتسمت رغم أنني لا أراه. "صوتك يقول إنك لا تحب الأسئلة… لذلك سألتُ بشكل أسرع." سمعت نيكولا ينفجر ضاحكًا. "هي بدأت تفهمك خلال عشر ثوانٍ!" لكن سيباستيان لم يضحك. فقط قال بصوت أقل حدة قليلًا: "ستبقى هنا مؤقتًا." تدخلت بسرعة: "مؤقتًا؟" سألته بصدق: "إلى متى؟" سكت. ثم قال: "إلى أن يصبح لديك مكان آخر." ضحكتُ بخفة رغم غرابة الجملة: "إذن… هذا يشبه الفنادق الفقيرة." سمعت نيكولا يهمس: "هي أخطر مما توقعت." --- في تلك الليلة… لم يكن لدي سرير خاص بي بعد. لكنني جلست في زاوية الغرفة أستمع للبيت. هذا البيت لا يشبه بيت رافائيل. لا صراخ. لا مفاتيح تقفل الحياة. فقط… صمت ثقيل ورجل لا يتكلم كثيرًا، ورجل آخر يتكلم أكثر مما ينبغي. وقبل أن أنام، سمعت سيباستيان من بعيد: "لا تعتادي المكان." لم أفهم. لكنني أجبت بصوت منخفض: "أنا لا أرى المكان أصلًا… كيف سأعتاد عليه؟" لم يجب. لكنني شعرت أن كلمتي لم تعجبه. ومع ذلك… لم يطلب مني الرحيل. وهذا كان كافيًا لليلة واحدة.