وعدٌ في العتمة
كان الليلُ في قبوِ رافائيلَ لا يُقاسُ بالساعاتِ، بل بعددِ نبضاتِ القلبِ التي ترفضُ أن تتوقّف.
الظلامُ هناكَ لم يكنْ مجرّدَ غيابِ ضوء، بل كانَ كيانًا حيًّا يلتفُّ حولَ الأنفاسِ فيخنقُها، ويهمسُ في الأذنِ بأنَّ النسيانَ أرحمُ من الذاكرة.
جلستُ على الأرضِ الباردةِ المبلّلةِ، ظهرُي مسنودٌ إلى الجدارِ الرطبِ، وجسدُي يرتجفُ لا من البردِ وحده، بل من أثرِ السياطِ التي لا تزالُ تحفرُ خطوطَي في لحمِي.
كلُّ عظمٍ فيّ صرخَ بالألم، لكنَّ صوتًا أعمقَ كانَ يصرخُ بداخلي: _لا تنكسري.
سمعتُ صريرَ القفلِ قبلَ أن ألحظ الضوءَ الشاحبَ يتسرّبُ من شقِّ الباب.
خطواتٌ خفيفةٌ هبطتِ الدرجَ الحجريَّ بحذرٍ.
توقّفتِ الخطواتُ على مسافةٍ قريبة مني.
"لا ترفعي صوتَكِ." جاء الهمسُ أنثويًّا، ناضجًا، بعمرِ ثمانيَ عشرةَ سنةٍ من الصمتِ والقهر.
"إن سمعَكِ رافائيلُ، فلن ينجو أحدٌ منّا."
قبضتُ على الخيطِ الأحمرِ في كفِّي حتى كادَ يختلطُ دمُي بخيوطِهِ.
سألتها: "ومن تكونينَ أنتِ؟"
خطوةٌ أخرى، وسقطتْ عصاي قريبًا من ركبتيّ.
"اسمي سيلين. أختُ دورا." قالتِ الفتاةُ بصوتٍ منخفضٍ لكنّهُ ثابت.
"دورا صديقةَ ميرا أختكِ، وأنا دخلتُ هذا البيتِ قبلَ ثلاثةِ أيامٍ بوصفي خادمةً جديدة... من أجل إنقاذكِ أخبرتني ميرا أنكِ أصبحتِ تعيشين هنا مع ذلك الرجل العجوز رافائيل."
اهتزّتْ يدي على العصا.
"ميرا؟ كيف حالها أهيَ بخير، و كيف حال أمي؟ أخبريني؟! "
"ميرا و أمكِ ليستا بخير منذ ذهابكِ، أمكِ تحاول التظاهر بالقوة أمام ميرا لكن عيناها الذابلتان تكشفان ضعفها و ميرا تبكي عليكِ كل يومٍ تقريباً، لقد احترق قلبي على حالهما فأردت المساعدة، و الآن علينا أن نذهب بسرعة قبل أن يكشف أمرنا." همستْ سيلينَ، في أذني.
بعدها توقّفتْ سيلينَ، ثمَّ أكملتْ بصوتٍ مكسور:
"ميرا أوصتني بكِ قبلَ أن أغادر. قالتْ: إن وجدتِ إيلينَ، فأخبريها أنّي لم أنمَ منذُ أن أخذوكِ. وأخبريها أنّي سأبقى أبكي حتى تعودي."
سقطتِ الكلماتُ على قلبي كالماءِ الباردِ على نارٍ مشتعلة.
ميرا تعرفُ. ميرا تنتظرُ. وميرا لم تفقدِ الأملَ فيّ.
وهذا وحدهُ كانَ كافيًا ليعيدَ الروحَ إلى جسدٍ ميت.
مدّتْ سيلينَ يدَها ووضعتْ في كفي مفتاحًا صغيرًا باردًا.
"هذا يفتحُ بابَ المخزنِ خلفَ الإسطبل. من هناكَ يبدأُ الطريقُ إلى الغابةِ الشمالية. رافائيلُ قرّرَ بيعَكِ الليلةَ لتاجرٍ قادمٍ من الشمال. إن لم تخرجي الآن، فلن تخرجي أبدًا."
سألتها بخوف:" و أنتِ ألن تذهبي معي؟ "
"حتى أطمئن أنكِ خارج منطقة هذا العجوز المتسلط."
أمأت برأسي ثم قبضتُ على المفتاحِ والخيطِ الأحمرِ معًا.
للمرةِ الأولى منذُ أن دخلتُ هذا القبو، شعرتُ أنَّ الظلامَ لم يعدْ مطلقًا.
كانَ هناكَ خيطٌ رفيعٌ من الضوءِ... اسمهُ ميرا.
"إذنْ سأعيشُ لأجلِها." قالتُ بصرامة، ونهضتُ ببطءٍ أتكئُ على العصا.
"ولأجلِكِ ولأجلِ أمي. ولن أسمحَ لدموعِ ميرا أن تذهبَ هدرًا."
أمسكتْ سيلينَ معصمي برفقٍ، تقودُني نحوَ البابِ المفتوحِ جزئيًّا.
"البابُ لن يبقى مفتوحًا طويلًا. رافائيلُ يستيقظُ معَ أذانِ الديكِ الأول."
خطتُ خطوتي الأولى خارجَ القبو.
الهواءُ كانَ أبردَ، لكنّهُ أطهر.
وقبلَ أن يُغلقَ البابُ، همستُ للظلامِ:
"انتظريني يا ميرا. أنا قادمة."