لعنة العيون - الفصل الاول : الزمرد - بقلم ملاك منياني | روايتك

اسم الرواية: لعنة العيون
المؤلف / الكاتب: ملاك منياني
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الاول : الزمرد

الفصل الاول : الزمرد

- أوموروود !! - نعممم أمي ؟ سحبتها ذراع والدتها بغضب و جذبتها جانبا ، وقالت بصوت منخفض : - ماذا قلت عن الاقتراب من تلك الساحرة الصغيرة ؟ -لكنها أختي . -و أنا أمك . - لكن ... إنها ابنتك - يكفي ، رجاءً ، إنها فتاة غبية نوعا ما ، لا يجب لفتاة بفتنك و حسنك أن تختلط بفتاة ذات أعين رمادية مثلها. - حاضر ، طأطأت أومورود رأسها لكن والدتها رفعته و رسمت قبلة على جبينها و ابتسمت. في المقابل كانت آمبر -أخت أومورود-تراقب اللحظة الحميمية بصمت عيناها الرماديتان تلمعان بالدموع ، وجهها بالكاد يوحي لعلامات الحياة ، تمنت في تلك اللحظة ابتسامة بهذا الدفأ من والدتها ، فقط ابتسامة. انتظرت أمورود حتى غربت والدتها ، ثم دنت من الحجرة المحشورة في جانب الممر ، وجدت أختها مطأطئتا رأسها وقالت : - آسفة ... كالعادة أومورود ... استمعي لكلام أمي و لا تقتربي مني حتى لا توبخك ألم تتعبي من عصيانها ، صمتت آمبر للحظات ثم أردفت بعد لمس يد أختها الصغيرة :-أعلم أنك مشاكسة ، و أنك لا تفكرين إلا بإصلاح علاقتي مع أمي لكن أرجوك ، لا تحملي نفسك فوق طاقتك ، لأجلي من فضلك. قالت آمبر هذا و هي تتذكر كم مرة فعلت أومورود هذا لتحسين علاقتها مع أمها لكن ... أسفاه لم تكلل محاولاتها بالنجاح. حزنت أومورود على حال أختها ، فعلى عكس إخوتها ، أحبتها لأنها ببساطة كانت تؤمن بأن حب الإخوة أمر فطري قبل ثمانية سنوات - يا إلهي كم هي جميلة ورثت كل شيء من أمها . - لا لقد ورثت إنحناءة الذقن من والدها . خرست الممرضات ، قمنا بلف المولودة الجديدة في قماش حريري أبيض ، تقدمن بها لوالدتها التي تأملتها بصمت ، ثم بدأت تذرف دموع فرحة . - سيدتي ... هل كل شيء على ما يرام ؟ سألت ممرضة . - لا أستطيع الصبر لمعرفة لون عينيها. قالت السيدة نورا . في هذا اليوم ولدت بطلتنا الصغيرة أومورود ، لقد فتحت عينيها لأول مرة بعد ثلاثة أيام من ولادتها ، و لكن نورها و إشراقة وجهها جعلتها تأسر قلوب الصغير و الكبير ، كان كل من يراها ، فمن يطيل النظر في عينيها الزمرديتين، يشعر وكأن العالم صار أقبح مما ينبغي لتعيش فيه طفلة بهذا الجمال ، فمن يركز في عينيها الزمرديتين و لو قليلا ترتفع معايير الجمال في نظره. كان جميع إخوة {أومورود} يكنّون لها حبًا كبيرًا، وخاصة أخاها الأكبر {أوليڤر}، الذي اعتاد حمايتها من أبناء النبلاء المشاغبين، وكان يقلق كلما رآها تتسلل إلى جناح آمبر. وعلى عكس بقية إخوته، لم يكن أوليڤر يسيء إلى آمبر أو يحتقرها؛ بل كان يعاملها باحترامٍ رسمي، لأنها فرد من العائلة، ومن طبقة النبلاء، ولأنها فتاة تصغره سنًا. ورغم برودة علاقتهما، لم تشتكِ آمبر يومًا، فاحترامه الصامت كان أرحم من قسوة الآخرين. أما {ليندا}،و{كزايڤير}، و{جوناثان}، فقد كانوا الأكثر كرهًا لها في القصر، حتى إن قسوتهم فاقت قسوة والدتها أحيانًا. بينما والدها... فقد توقف عن النظر إليها منذ عامها الأول، وكأن وجودها تلاشى من حياته منذ اللحظة التي بدأت فيها تكبر. في النقيض، كانت أومورود تكبر وسط رعايةٍ غامرة من الجميع؛أحبها الخدم والنبلاء وأفراد عائلتها، لجمالها، وأخلاقها، ومكانتها، وحتى لابتسامتها التي كانت تُشعر من حولها بشيء من الطمأنينة. كانت ليندا-الأخت الكبرى- تمضي ساعات تداعب خصلات شعر أومورود الحريرية، تهمس لها بالأسرار، وتحكي لها قصص ما قبل النوم. وفي الحفلات الدوقية، لم تكن تفارقها خوفًا من شقاوة أبناء النبلاء الآخرين. أما كزايفير-الأخ الأوسط-، فكان يدربها سرًا على كل ما يتعلمه من والده وأخيه الأكبر؛ من المبارزة، إلى السياسة، وحتى أساليب الدفاع عن النفس، وكأنه يعدّها لمستقبلٍ عظيم. بينما كان جوناثان- الأصغر بينهم-، يرافقها في ألعابها وضحكاتها اليومية، كونه الأقرب إليها سنًا والأكثر تعلقًا بها. ومن خلف كل تلك اللحظات الدافئة… كانت آمبر تراقب بصمت، تستمع لضحكاتهم المترددة صداها في ممرات القصر ، تراقب و هي تبتسم بلا وعي ، لكن فجأة تتذكر أنها ليست جزءا من هذا ، ليست جزءا من الضحكات و المزحات ، ليست جزءا من الحياة الحلوة التي تعيشها شقيقتها المحبوبة و المحاطة بالعاطفة ، لتتولد داخلها و لأول مرة ذرة من مشاعر سلبية ، حقد ، حسد ، ألم ، حزن و تجاهل نعم يا سادة ... إنها الغيرة . بعد عشر سنوات من ولادة أومورود إنه يوم مميز للغاية ، ستخلده الذاكرة ، ليس ذاكرة أومورود وحدها ، ولكن ذاكرة العائلة كلها ، إنه يوم ميلاد زمردة القصر الصغيرة ، يوم ميلادها العاشر ، أكملت عقدا من العمر و الحياة الدافئة ، ولكن كالعادة كان الذعر يسيطر على والدتها : — ڤالي، هل الكعكة جاهزة؟ — أجل يا سيدتي. — والثوب؟ ماذا عن الزينة والهدايا؟ والقاعة؟ هل تأكدتم من— — سيدتي العزيزة… اهدئي قليلًا. ابتسمت الخادمة ڤالي وهي تعدل قفازها الأبيض برفق، ثم تابعت بنبرة هادئة: — شهيق… زفير… هذا ليس يوم ابنتك المميز فقط، بل يومك أيضًا. عيدها العاشر لن يتكرر أبدًا، لذا حاولي أن تستمتعي به بدل أن تضيعيه قلقًا. تنهدت نورا أخيرًا قبل أن تبتسم بتوتر خفيف. — معك حق يا ڤالي. — إذًا، فلتذهب سيدتي الحسناء للاستعداد، وخادمتها المخلصة ستتكفل بالبقية. — حسنًا… أعتمد عليكِ. غادرت نورا الغرفة على عجل، بينما تمتمت ڤالي وهي تراقب الباب يُغلق ببطء: — يالها من أم… في مملكة آيزلاند، كان بلوغ الطفل عامه العاشر حدثًا بالغ الأهمية؛ ففي هذا السن يُرسَّم رسميًا كمواطن يتمتع بحقوق المملكة. لكن الأمر لم يكن متساويًا للجميع. فمنذ يوم الترسيم، تبدأ الدولة بإنفاق ما يُعرف بـ«النفقة الملكية» على الأطفال… وفقًا للون أعينهم. بحيث ذوي الأعين السوداء ، لا يحصلون على نفقتهم ، لأنهم ببساطة في الحضيض ، أما العامة ، و بالضبط ذوي العيون البنية يأخذون 20 إيلمار-العملة الرسمية لآيزلاند- شهريا ، بحيث يستطيعون شراء 5 رغائف و طماطم و خس و قطعة دجاج و لحاف و دلو ماء ، بينما أصحاب الأعين العسلية ينفق عليهم شهريا 45 إيلمار ، أما الأعين البندقية أو البندقية الخضراء ، أما عن ذوي الأعين الرمادية فيتمتعون ب100 إيلمار شهريا ، و الأعين الخضراء يجنون 120 إيلمار ، وأخيرا 150 إيلمار للعيون الزرقاء. في مملكة آيزلاند، لم تكن ألوان العيون مجرد صفات وراثية… بل كانت تحدد ما سيكونون عليه لما تبقى من حياتهم قد يتساءل البعض عن سبب عدم حصول العائلة الملكية على أي إيلمار رغم امتلاكهم أندر ألوان العيون. أما السبب الأول، فلأنهم يقفون على قمة الهرم الاجتماعي، ومن واجبهم الإنفاق على رعاياهم. وأما السبب الثاني فهو أنهم لا يحتاجون المال ، لأنهم و بسهولة و اختصار يعتبرون بعض النفقة إهانة فهم لا يمتلكون المال بل يمتلكون الثروات . - ممماذاا هل أنت جاد ، لا غير معقول الملك ، الملك نفسه يريد لقاءها ، إبنتي أومو . نورا - كما سمعت يريد لقاءها . الأب جاز - آآآخ لك ، و منك . نورا - يكفي لنعلم أومو .جاز في جناح من قصر عائلة الدوق المستشار جاز و بالتحديد في غرفة الصغيرة أومورود ، كانت تجلس بثقة كبيرة ترتدي فستانا بدا وكأنه صُنع من زمردٍ سائل. قماشه الأخضر العميق ينساب بنعومة ملكية، بينما تتفتح على أطرافه زخارف فضية لامعة تشبه أغصانًا جليدية أو أزهارًا متجمدة تحت ضوء القمر. الأحجار الخضراء الصغيرة المرصعة على الكتفين والصدر جعلت الفستان يبدو حيًّا، كأنه يحمل قلب غابة سحرية نابض داخل خيوطه. أما الأكتاف المكشوفة فأعطته مزيجًا بين الرقة والفخامة، كأنها أميرة من أسطورة قديمة. أما وجهها، فهادئ بطريقة مخيفة قليلًا، الجمال فيه ناعم لكن واثق. بشرتها فاتحة ومضيئة كأن الضوء يذوب فوقها، وشفاهها وردية ممتلئة بابتسامة خفيفة توحي بأنها تعرف أكثر مما تقوله. ملامحها متناسقة جدًا؛ أنف صغير مستقيم، وخدان ناعمان يمنحانها هيئة بريئة، لكن تلك البراءة تخفي خلفها حضورًا قويًا يصعب تجاهله. شعرها الأشقر بدا كخيوط حرير مضاءة بالشمس. مصفف بعناية في ضفيرتين ملتفتين حول الرأس كإكليل ملكي، بينما تنسدل خصلات مموجة قرب وجهها برقة شديدة. اللون الذهبي الفاتح جعلها تبدو ككائن خرج من حكاية خيالية أهدته ملكة الشمس سيليستيا نورها، خاصة مع انعكاس الضوء على شعرها بطريقة جعلته أقرب إلى الفضة الذهبية. أما عيناها… فعينَا أومورود ليستا مجرد خضراوين. كانتا تبدوان كغابتين سحريتين بعد المطر، عميقتين لدرجة تجعل من ينظر إليهما يشعر أنه يسقط ببطء داخل سرٍّ قديم. فيهما بريق زمردي حي، كأن الضوء اختار أن يعيش داخلهما إلى الأبد. لم تكونا مخيفتين ولا لطيفتين بالكامل؛ بل امتلكتا ذلك الجمال الذي يجعل القلب مرتبكًا… الجمال الذي يشبه لعنة جميلة لا يريد أحد النجاة منها. كانت أختها ليندا تتغزل في الكلام و تجعله يقطر بالعسل إلى مسامع الصغيرة تمدحها كأنها تمدح امبراطورا قديما . بينما همس الأخ كزايڤير إلى أوليڤر و هما مدهوشان من جمال و رونق أختهما الفاتنة : - أوليڤر !! - ماذا ؟ قال دون النظر إليه. ثم همس كزايفير : - اجلب سيفك للحفل أي صبي أخرق سيحدق بها أكثر من ثلاث ثواني فسنمزق . - هل أنت جاد ؟ - جدّ جدّ الجدّ الجادّ المجدّد الجدّي . كان أوليڤر على وشك الرد لولا أن قاطعه دخول والديه فقام بالوقفة رسمية هو و كزايڤير الذي لاحظ نظرات أمه القلقة و أبيه الممزوجة بين الجادّة و المتوترة ، دنا الأب من الأومورود لتنحني ليندا بركبتها له أما أومورود التي اقترب منها فوسّعت ابتسامتها لكي يقاوم الأب الضغط و يبتسم ، ثم دلف كلا من جوناثان و آمبر، فنظرت الأم بحنق و نظرات مشمئزة لآمبر التي تبدد طيف ابتسامتها و خرجت ليأمر الأب كلّ أبنائه بالانصراف ما عدا أوليڤر تنحى أوليڤر ليسمح لوالديه و أخته بالكلام براحة ، فانحنى الأب جاز ليوازي عينيه الفاتحتين بوجه ابنته البريء ، ثم طبع قبلة على جبينها ، ثم قال : صغيرتي الشقراء ، كيف حال شمس هذا البيت يا ترى ؟ - إنها بخير طالما قمرا القصر بخير و في سعادة ، زادت ابتسامتها اشراقا مع التفاتها لأوليڤر : و لا ننسى نجوم القصر المضيئة. - يا لك من شاعرة صغيرة، قرص خدها بلطف لتصدر منها ضحكات غطت على أي صوت من حوله ليذوب قلبه الصخري ، ثم حاول استرجاع شتاة نفسه و قال : - أعلم أنه لم تعرفي و أنا آسف لكن جلالة الملك نفسه يريد مقابلتك فأنا مستشاره ، سيحضر مع ابنته لذا عندما تقابليه ، انحني له نصف انحناءة و تكلمي رجاءً بدفء ... رجاءً مصير عائلتنا يعتمد عليك الليلة ... زمت أومورود شفتيها فرغم صغر سنّها إلا أنها ذكية ، و بالأحرى ماكرة و خبيثة ، لطالما خدعت الجميع ببسمتها و حفظها لنظام المملكة عن ظهر قلب ، لأنها لم تؤمن يوما أن الناس عبارة عن بيادق حسب شيء مصيري كلون العيون. أردف الأب بعد شرود ذهنها : يا أومو أنت هنا ؟ - أجل . - عندما يسألك جلالته عن النظام تعرفين ما الإجابة . - طبعا . حضنها أبوها يحس بأنه يعانق طفلته الصغيرة عناقها الأخير ، لتبدأ فصلا آخر في حياتها ، أومأت أومورود مرة واحدة ، بابتسامتها التي لا تنطفأ، حدّق والدها بها قليلا ثم خرج فتبعته أمها ، بينما كان الإخوة يختلسون السمع للمحادثة ، بينما آمبر المنبوذة ، تحدّق بهم بصمت ، تحاول أن تنهاهم عن أفعالهم الطفولية الحمقاء ، لكن حتى لو رفعت صوتها فستتلقّى السبّ و الشتائم فقط ، عندها التف مقبض الباب 30 درجة فقط جعلت الإخوة الثلاثة ينتفضون و يهربون فارّين ، عندها ركضت ليندا في اتجاه آمبر و اختبأت خلفها ، ثم أخيرا دفعتها بكل ما أوتيت من قوة ، لتسقط أمام الباب و اصطدم برأسها به ، خرج جاز و نورا ، وجدوا ابنتهم رمادية العينين تجلس أرضا تكتم دموعها و تفرك مكان الضربة برفق ، ليحدّق بها والدها بنظرات ثلجية و قال و هو يعقد ذراعيه خلفه : - آمبر ، هل وصلت بك الجرأة لاختلاس السمع لحديثي ؟ - لم ... أفعل . -بل فعلت ، قال جوناثان - أجل يا عزيزي أبي ، قالت ليندا - إذا كلهم يشهدون ضدك و أنت تنكرين ، إنك كاذبة كبيرة يا آمبر ، آآخ منك ، ليتك تكونين بنصف أخلاق أختك أومورود . قالت نورا. - لم أفعل ، إنهم كاذبون ... و أنت أنت ترفضين التصديق لم أفعل و لو أردت الحقيقة فهم كانوا يختلسون السمع ، و ليندا دفعتني . آمبر . - لا تجرئي على ذكر اسمي بذلك اللسان الكاذب يا حثالة هذا القصر .ليندا. تقدمت السيدة نورا لتقف أمام آمبر التي أحست بشيئين ، الأول صفعة مدوية على خدها الأيسر ، و الشعور الثاني كان شيئا ينكسر داخلها إنه قلبها ، لم تستطع التحمّل أكثر فعاهدت نفسها أنها فور ما ستبلغ 16 ستغادر هذا القصر الذي كان سجنا ، أو بالأحرى قبرا لها و هي حيّة . استقامت آمبر و اتجهت صوب جناحها ، لتقاطع والدتها سيرها بقول : تعالي هنا حالا ، و اعتذري إلى من اتهمتهم ! لم تجبها آمبر و تابعت السير دون حتّى الالتفات ، لتغضب الأم أكثر ، و تعيد أمرها ، لكن لا ردّة فعل . تملّصت آمبر من عائلتها ، صفعت باب غرفتها و بدأت بالبكاء بحرقة ، البكاء بكل جوارحها ، حتى جفّت عيناها من الدموع ، و هل تظنّون أنّ أحدهم حاول دخول غرفتها لمواساتها ؟ بالطبع ، لا لقد نسوها ، و ركّزوا على اليوم الكبير ، يوم أومورود ، أليس يوما سعيدا ؟ هذا ما يفترض به أن يكون لكن الواقع مختلف، و هنا ينتهي زمن آمبر اللطيفة ، التي يخلو قلبها من الحقد ، ليبدأ عهد آمبر التي نزعت مسمّى المشاعر من حياتها ، لن تبكي ، لن تهتم ، لن تحزن ، و لن تجعل دمها يغلي من أفعال البغضاء في حياتها. في الجانب الآخر من القصر أو بالأحرى أمام البوابة كان موكب الملك قد استقر بالفعل ، ليستقبله الخدم و الموسيقى و الطبول ، أما أومورود فكانت في القاعة الرئيسية تنتظر دخول الملك ، تتوسط ذلك المكان المفروش بالسجادات الحمراء المزخرفة بالخطوط الذهبية ، و الثريات الكرستالية العملاقة ناشرة ضوءها الفضي هنا و هناك ، ليدخل الملك بصوت المزامير ثم تقدّم بخطوات تغلفها الهيبة ، و خلف هذا الملك ذي الجثة الضخمة تقف ابنته الحسناء ، التي مررت عينيها على أومورود ، و قد شعرت ببعض الغيرة من جمال أومورود ، و كما أمرها والدها لم تظهر التوتر ، و لم تسمح له بالسيطرة على خلية واحدة منها ، انحنت باحترام ، فأومأ الملك فقط ، ثم قال بابتسامة تنمّ عن الفخر : - أنت الشهيرة أومورود إذا . - أنا ممتنة لأن اسمي وصل مسامع جلالتكم ، ثم ابتسمت و نقلت عينيها إلى الأميرة جوليكا و قالت : - و سموك . - حسنا يا أميرة الزمرد هلاّ أخبرتني عن نظام المملكة ؟ - أنا أرى أنه عادل ولا تشوبه شائبة ، لأنه و ببساطة لا يمكن لعينين ساحرتين مثل خاصتكم أن تختلط مع عيون كالثقوب السوداء. (( قطعا لا ، الأمر طبيعي ليس و كأن عينيك ستصبان بعدوى اللون الأسود إن اختلطت بهم )) - إنك بالفعل ذكية و لديك حججك . - لست أتمنى سوى رضى جلالتكم . - و أنا و نيابة عن العائلة الأرجوانية كلها نتمنى لك ترسيما سعيدا . أومأت أومورود فقط قبل أن تبتسم و ترحب بكل من يدخل إلى أن وصلت فتاة تكبرها بعامين ، لقد كانت {ميا}، إنها ابنة دوق من ذوي الأعين الزرقاء ، ذات شعر بني قصير داكن مموج مصفف للأسفل ، وجهها دائري بشفاه شبه ممتلئة وردية يزين وجهها نمش طفيف و ترتدي فستانا فضفاضا أسود ذي رقبة بحرف <U> . سلّمت هذه الأخيرة على أومورود ، كانت ميا تكبرها بسنتين ، لكن كانتا تتشاركان حب الرسم ، أو الصباغة الزيتية على اللوحات القماشية ، و لكن ما كانت تكرهه أومورود بصدق في ميا هو حبها للتاريخ و دراساتها المستمرة له ، ما جعل فكرها متفتحا ، و جعلها تطرح الكثير من الأسئلة و لكن على أومورود فقط خوفا من مجتمع النبلاء حولها ، كانت الأسئلة كالتالي : لماذا هنالك طبقات اجتماعية كهذه ؟ من فرضها من البداية ؟ و ما سبب قبول الناس بها ؟ و ما سر الأطفال المنبوذين ؟ أسئلة أخرى تدور في رأسها لكنها لم تعد تأبه لها . استمتع الجميع بالحفل ، ما عدا شخصين ، أولهما ، آمبر التي كان اليوم مقبرة لآمبر اللطيفة و البريئة ، و ثانيهما، الأميرة جوليكا التي لم تعد محور الحفلة ، فنور و جمال أومورود جعلها في الظل . قدم النبلاء و الأمراء هدايا كثيرة لأومورود و الملك نفسه أهداها سوارا ذهبيا زمرديا . انتهى اليوم بسرعة و بدون مزيد من السلبيات وواصلت أومورود البحث و التفاخر بهداياها ، كما و أثنى الملك نفسه على الحفل و تنظيمه . بدّلت أومورود ثيابها و جلست مع امها فسألتها : - ابنتي ما تريدين كهدية ؟ - هلا؟ - هلا ماذا ؟ لا تخجلي من والدتك !! - أريد الخروج من أسوار القصر !!!!!! - عجبا !! - ممم ... - سأفكّر بالأمر و أشاور والدك . - حقا ؟؟؟؟!!! - بالطبع ، كما و أخبرتني معلماتك بتقدمك في الدروس. - شكرا أميييي ، قالت ذلك لتحضن والدتها بكل ما أوتيت من قوة . مر أسبوع على ترسيم أومورود حيث اجتهدت في دروسها و تمرينات الرقص و السياسة . بما أن آيزلاند تسمح للنساء بالإنضمام للجيش و القوى السياسية ، فذلك جعل والد أومورود السيد جاز يقرر أن يهب ابنته قدرة المبارزة و القتال ، و حتى الذكاء السياسي. أخذت نورا ابنتها إلى مكتب والدها ، و واصلتا ترجّيه إلى أن سئم و سمح لأومورود بالخروج من القصر وفق شروط أمها . اشترطت نورا أن تذهب أومورود في عربة خاصة مع خادمتين و حارسين إضافة إلى سائق العربة . لكن أومورود قالت : - أمي ، هذا سيجذب الأنظار إلينا أكثر ، عندما سيرى العامة العربة و الحراس سيعلمون أن هناك دوقا أو دوقة ، لذا سأتسلل عبر عربة قش بملابس عادية مع السائق الذي هو الحارس ، ما رأيك ؟ - هذا ... عبقري تماما . - إذا ...؟ - لا . -لماذا ؟ - لأني خائفة عليك . - أرجووووك . - موافقة. - شكرا أمي ، بفضلك سأزور العالم الخارجي - (( و سأعرف حقيقة العامة و هل هم أشرار كما تدّعون))