الفصل الثالث
في مكان بعيد عن وليد وعن الشرطة، على قمة جبل تحيط به الغيوم، كان هناك قصر ضخم يلمع في ضوء الشمس، كأنه قطعة من الجنة… لكنه يخفي سرًا مظلمًا بداخله.
في باحة القصر، جلس رجل على كرسي خشبي، صامت، يراقب الطفل الذي ارتجف من الخوف أمامه.
— هل أنت خائف؟
سأل الرجل بصوت هادئ، لكن عينيه حملتا صرامة خفية.
ارتجف الطفل وأجاب بصوت منخفض:
— لا… لا.
فجأة، انقبضت ملامح الرجل وارتفعت نبرته:
— لماذا تكذب؟
تلعثم الطفل، ولم يفهم سبب الغضب المفاجئ.
— آسف…
همس بصوت خافت.
— لماذا تعتذر؟
قال الرجل بحدة أربكته.
— لأنني… أغضبتك.
ساد صمت ثقيل، ثم تغيّر صوت الرجل فجأة، أصبح هادئًا بشكل مريب:
— لا بأس… ما اسمك؟
ابتلع الطفل ريقه.
— س… سيف.
وهنا تجمّد الرجل.
تصلّبت ملامحه، وابتعد نظره، كأن الاسم شقّ طريقه داخل ذاكرة قديمة… مؤلمة.
قبل سنوات…
في ممر مستشفى أبيض، وقفت ممرضة بابتسامة واسعة:
— مبروك سيدي… ستصبح أبًا.
نظر الرجل إلى زوجته بذهول، لم يصدق، الفرح ملأ صدره حتى كاد يصرخ.
لكن زوجته قالت بضيق:
— أوف… طفل؟ ومن أين نصرف عليه؟ نحن لا نملك ما نأكله. سأجهضه.
نظر إليها بحدة لم تعرفها فيه من قبل:
— ستلدين… وسنسميه سيف. لا نقاش.
نظرت إليه باستخفاف، ورددت الاسم بسخرية:
— سيف؟
الحاضر…
عاد الرجل إلى واقعه فجأة، وعيناه تشتعلان.
— اسمك من اليوم ديجور.
قالها بصرامة باردة.
— وإذا سمعت غير هذا الاسم… ستندم. هل فهمت؟
تجمّد الطفل، لم يفهم شيئًا، لكنه شعر أن الاسم القديم جلب العاصفة.
— نعم… ديجور…
قالها بخوف، وهو يكرر الاسم الذي فُرض عليه، بينما اسمه الحقيقي بقي عالقًا في صدره… بلا صوت.
أما الرجل، فكان ينظر إليه طويلًا، لا يراه هو… بل يرى طفلًا آخر، من زمنٍ لم ينسه.