الفصل الثاني
كان مكتب وليد في أعلى طابق، يطل على المدينة كلها… ومع ذلك، شعر وكأنه محاصر.
الجدران الزجاجية اللامعة، الأثاث الفاخر، الشهادات المعلّقة بدقة؛ كل شيء يوحي بالقوة، إلا الرجل الجالس خلف المكتب.
أسند ظهره إلى الكرسي، وأغمض عينيه للحظة.
ثلاثة أيام بلا نوم.
ثلاثة أيام وهو يعيد المشهد ذاته في رأسه: باب البيت، الغرفة الفارغة، السرير المرتّب أكثر من اللازم.
مدّ يده وأشعل سيجارة، ثم نفث الدخان ببطء، كأنه يحاول إخراج ثقلٍ جاثم على صدره. لم تكن عادة، لكنه لم يعد يميّز بين ما يجوز وما لا يجوز. كل ما يريده الآن… لحظة صمت.
أين أنت يا سيف؟
رنّ هاتفه، نظر إلى الشاشة، تجاهل المكالمة.
بعدها بدقائق، طُرق باب المكتب.
— ادخل.
انفتح الباب بهدوء، ودخل رجل خمسيني ببدلة رسمية داكنة، يحمل ملفًا سميكًا. كان رئيس الشؤون القانونية.
— سيدي… الشريك الأبيض انسحب رسميًا.
فتح وليد عينيه ببطء.
— انسحب؟
— نعم. فسخ العقد، وأوقف التمويل. والبقية… قد يلحقون به.
ضحك وليد ضحكة قصيرة، خالية من أي فرح.
— جميل… كأن خطف ابني لم يكن كافيًا.
تقدّم الرجل خطوة، ثم قال بحذر:
— الصحافة بدأت تطرح أسئلة. والشرطة لم تُصدر بيانًا مطمئنًا بعد.
وقف وليد فجأة، واتجه نحو الزجاج، نظر إلى المدينة من تحته.
كل هؤلاء الناس… ولا أحد يعلم أن أغنى رجل في هذا المبنى لا يملك ما يهمه حقًا.
— أخبرهم أن الشركة مستمرة، وأن وليد لا يسقط.
صمت لحظة، ثم أضاف بصوت أخفض:
— حتى لو سقط كل شيء آخر.
خرج الرجل، وبقي وليد وحده.
مدّ يده إلى درج مكتبه، أخرج صورة صغيرة.
طفل يبتسم… بعينين تشبهان عينيه أكثر مما اعترف به يومًا.
همس، وكأن الطفل يسمعه:
— سامحني يا سيف… تأخرت كثيرًا في أن أكون أباك.
وأغلق الدرج.