أجنحة فوق الممالك - 6- لن أتركَ أرضي - بقلم مرام | روايتك

اسم الرواية: أجنحة فوق الممالك
المؤلف / الكاتب: مرام
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: 6- لن أتركَ أرضي

6- لن أتركَ أرضي

عندَ العنقاءِ كانتِ العنقاءُ في الإسطبلِ الخاصِّ بأشهبَ عندَ جاسرٍ، فلمَّا رأتِ الليلَ قد دخلَ، عادتْ بهِ إلى بيتها. وأوَّلَ ما وصلتْ، ربطتهُ أمامَ البيتِ جيِّدًا، وكانتْ تعلمُ أنَّهُ لن يقتربَ منهُ أحدٌ لعلمهم أنَّهُ تابعٌ لأشهبَ. دخلتِ البيتَ ونزعتْ لثامها ولم تجدْ رغداءَ أمامها، ولكنَّها سمعتْ صوتَها تبكي في غرفتها. فاقتربتْ من حجرتها وطرقتِ البابَ، فلمَّا لم تُجبها، دخلتْ عليها ووجدتها جالسةً على سريرها غارقةً في دموعها. فاقتربتْ منها وجلستْ بجانبها، ولمَّا وجدتها لا تُمانعُ في وجودها، اقتربتْ منها أكثرَ واحتضنتها، فازدادَ بكاءُ رغداءَ أكثرَ. فبقيتا على هذا الحالِ مدَّةً، ثمَّ قالتْ رغداءُ: رغداءُ: "لماذا لا يرى مَن تُحبُّهُ بحقٍّ، لِمَ يُحرقُ قلبي مرتينِ؟ ألم يَرَ حُبِّي لهُ كلَّ هذهِ السنينَ؟ كانَ هَيِّنًا عليَّ زواجُكِ منهُ، فأنتِ لا تُحبِّينهَ. وإنْ كانَ هو يُحبُّكِ، فأنتِ سَتُبقيني بجانبهِ. ولكنَّ الأميرةَ لو رأتني لن تُبقيني معهُ ساعةً." ثمَّ دخلتْ في حِضنِ العنقاءِ أكثرَ وزادَ بكاؤها، فمسحتِ العنقاءُ على شعرها وقالتْ: العنقاءُ: "لا تخافي، لن أسمحَ لها بذلكَ، ولن يفعلَ أشهبُ ذلكَ." بقيتا على هذهِ الحالةِ مدَّةً حتى هدأتْ رغداءُ، ثمَّ ابتعدتْ عن حضنِ العنقاءِ وقالتْ وهيَ تنظرُ لها: رغداءُ: "هل يمكنني أن أسألَكِ سؤالًا؟" العنقاءُ: "بالطبعِ." رغداءُ: "لماذا لا تُحبِّينَ أشهبَ؟ ولماذا تزوَّجتِهِ إنْ لم تكوني تُريدينَهُ؟ فلا أظنُّكِ ممَّن يُجبرنَ على الزَّواجِ." نظرتْ لها العنقاءُ قليلًا، ثمَّ عضَّتْ على شفتها السُّفلى في محاولةٍ لِمسكِ دموعها، ولكنَّها فشلتْ في ذلكَ وسقطتْ منها دمعةٌ خائنةٌ، فابتسمتْ بحُزنٍ وقالتْ: العنقاءُ: "لأنِّي أحببتُ أشخاصًا من قبلُ وتركوني في مرَّةٍ واحدةٍ، ولم يتركوا لي المجالَ لأستوعبَ، فأغلقتُ قلبي خشيةَ أن ينكسرَ مرَّةً أخرى." ثمَّ مسحتْ دموعها وسكتتْ، فسكتتْ رغداءُ معها حتى سمعتا أصواتَ النَّاسِ يصرخونَ، ففزعتا. فأعادتِ العنقاءُ اللِّثامَ على وجهها بسرعةٍ، وجرتْ لتنظرَ ماذا هناكَ، فوجدتِ السَّماءَ قد تحوَّلتْ للَهيبِ نارٍ مُستعِرٍ، وأنَّ الأرضَ بدأتْ تختضبُ باللَّونِ الأحمرِ، والنَّاسُ يركضونَ في كلِّ الأنحاء. فدخلتْ مُسرعةً لتأخذَ سيفها، فوجدتْ رغداءَ قد خرجتْ من غرفتها ومعها سيفانِ، وقد ارتدتْ ملابسها وألثمتْ وجهها، وأعطتِ العنقاءَ سيفًا، فقالتِ العنقاءُ باستغرابٍ: العنقاءُ: "ولكنْ كيفَ؟" رغداءُ: "كانَ يُدرِّبني أشهبُ، والآنَ هيا ليسَ لدينا وقتٌ، يجبُ أن نُدافعَ عن أنفسنا." خرجتا مُسرعتينِ، وأوَّلَ ما خرجتا، وبدأتِ العنقاءُ تفكُّ قيدَ جاسرٍ، وقفَ همامٌ أمامهما على حصانٍ وخلفَهُ وهجُ، وبجانبهِ حصانٌ آخرُ وقالَ: همامُ: "إلى أينَ تذهبانِ؟ أرسلني أشهبُ لآخذكما لمكانٍ آمنٍ." ركبتِ العنقاءُ على جاسرٍ ثمَّ التفتتْ إلى همامَ وقالتْ: العنقاءُ: "وهل تظنُّ أنَّ هناكَ مكانًا آمنًا؟ إنِّي لأسمعُهم يتكلَّمونَ عن المدنِ الأخرى، هذا إبادةٌ جماعيةٌ للمسلمينَ. انظرْ حولكَ، لا يقتلونَ إلا المسلمينَ ومَن يشتبهونَ أنَّهُ مسلمٌ. النَّاسُ خرجتْ ترتدي الصُّلبانَ وكلٌّ يُنادي: أنا يهوديٌّ! أنا نصرانيٌّ! خُذْ وهجَ بعيدًا فهيَ لا شكَّ يُريدونَ قتلها، وأنا سأبحثُ عن أشهبَ." ركبتْ رغداءُ الحصانَ الذي معَ همامٍ وقالتْ: رغداءُ: "وأنا معكِ." ثمَّ تركتاهُ وانطلقتا نحو القصرِ، فأسرعَ هو ليُخرجَ وهجَ من هذا الدَّمارِ. ظَلَّتا تركضانِ وبيدِهما السَّيفُ، وكلَّما ظهرَ أمامهما عدوٌّ قتلتاهُ، تضربانِ يمنةً ويُسرةً. حتى رأتِ العنقاءُ بعيدًا عنها بمسافةٍ طفلةً صغيرةً أمُّها ميتةٌ بجانبها، وهيَ يكادُ صوتُها يختفي من البكاءِ، وهيَ تهزُّ أمَّها لكي تصحوَ، وأبوها يقفُ أمامَ الجنديِّ يُدافعُ عن ابنتهِ، ولكنَّهُ سرعانَ ما سقطَ بجانبِ أمِّها. فأسرعتِ العنقاءُ وصرختْ قائلةً: العنقاءُ: "سُحقًا لكم، وتبَّتْ أيديكم، سُحقًا لكم!" ووصلتْ إليهِ قبلَ أن يقتلَ الطِّفلةَ، وألقتِ السَّيفَ في صدرهِ ورغداءُ خلفها. نزلتِ العنقاءُ من على جاسرٍ وأخذتِ الطِّفلةَ في حضنها وهيَ ترتعشُ من الخوفِ. وهيَ هكذا، رأتْ بعضَ الرِّجالِ يركضونَ نحوهنَّ، فأخذتِ الطِّفلةَ بسرعةٍ وأعطتها إلى رغداءَ وقالتْ: العنقاءُ: "خُذيها من هنا بسرعةٍ، وأنا سأتولَّى أمرَهم." رغداءُ: "وأشهبُ؟" العنقاءُ: "الطِّفلةُ أهمُّ، وأشهبُ يُجيدُ الدِّفاعَ عن نفسه. اذهبي هيا!" ركضتْ رغداءُ بعيدًا عنها وبقيتِ العنقاءُ في وجوهِ الرِّجالِ الذينَ كانوا ثلاثةً. أخذتْ سيفها من صدرِ الرَّجلِ وركضتْ لهم وبدأتْ تُقاتلهم، تُوجِّه ضربةً لهذا وتصدُّ ضربةَ هذا. قتلتِ اثنينِ، أمَّا الثَّالثُ فقد أوشكَ أن يُصيبها، ولكنْ قتلهُ رجلٌ مُلثَّمٌ من الخلفِ. نظرتْ لهُ العنقاءُ فوجدتهُ ركضَ مُسرعًا بعيدًا عنها، فركبتِ العنقاءُ جاسرَ بسرعةٍ واتَّجهتْ نحو القصرِ. وكلَّما لقتْ يهوديًّا أو نصرانيًّا يقتلُ المسلمينَ قتلتهُ. في القصرِ وصلتِ العنقاءُ القصرَ فوجدتهُ في أسوأِ حالةٍ يمكنُ أن يكونَ عليها، كلُّ شيءٍ مُحطَّمٌ والنِّيرانُ في كلِّ مكانٍ، والأرضُ اختُضِبَتْ بالدِّماءِ، والقتلى في كلِّ مكانٍ. سمعتِ العنقاءُ صوتَ أشهبَ فركضتْ نحوهُ، وقد كانَ في غرفةِ العرشِ، وأوَّلَ ما دخلتْ عليهِ وجدتِ الخليفةَ مقتولًا وحولَ أشهبَ عشرةُ رجالٍ كلُّهم يريدونَ قتلهُ، وهوَ لا يملكُ إلا سيفًا، ولكنَّهُ أظهرَ بسالةً شديدةً ومهارةً عاليةً في القتالِ. فركضتْ لهُ العنقاءُ تُقاتلُ معهُ، فدخلتْ في وسطِ الرِّجالِ وأعطتْ ظهرها إلى ظهرِ أشهبَ. وهيَ هكذا، إذ ترى نفسَ الشَّابِ الملثَّمِ على إحدى نوافذِ القصرِ يرمي بسهامهِ الرِّجالَ، ولكنَّها لم تستطعْ أن ترى منهُ شيئًا، وحتى عينيهِ بالكادِ تراها. وهيَ هكذا تضربُ الرِّجالَ معَ أشهبَ والملثَّمُ يرمي بسهمهِ، إذ قالَ أشهبُ: أشهبُ: "ما الذي أتى بكِ؟ ألم أقلْ لهمامٍ أن يأخذَكنَّ بعيدًا؟" ردَّتْ عليهِ وهيَ تضربُ عُنقَ أحدِ الرِّجالِ: العنقاءُ: "وهل كنتَ تظنُّ أنَّي سأسمعُ كلامكَ؟" استمرَّ أشهبُ بالقتالِ ولم يردَّ عليها، وكانَ أحدهم يوشكُ أن يضربَ رأسهُ في مَهلَكٍ، ولكنَّ الملثَّمَ رماهُ بسهمٍ في مؤخِّرةِ رأسهِ أرداهُ صريعًا. ثمَّ أكملَ أشهبُ والعنقاءُ على البقيَّةِ. بعدَ أن فرغَ المكانُ حولهما من الرِّجالِ، قالتِ العنقاءُ: العنقاءُ: "يجبُ أن نرحلَ من العاصمةِ ومن المدنِ القريبةِ." أشهبُ: "لن أرحلَ، لن أتركَ أرضي! أُفضِّلُ أن أموتَ وأنا أُقاتلُ." العنقاءُ: "ما الذي تقولهُ؟ إنْ بقيتَ هنا فأنتَ ميتٌ أو ميتٌ. ارحلِ الآنَ وعدْ لاحقًا واسترجعها." نظرَ لها أشهبُ برهةً ولم يُجبْ، فسحبتهُ العنقاءُ وركضتْ بهِ، ولكنَّ القصرَ انهارَ فوقهما. فغطَّتِ العنقاءُ وجهها بيدها كحركةٍ لا إراديَّةٍ، وقد أيقنتْ موتهما، ولكنَّ أشهبَ أسرعَ في التَّحوُّلِ وحالَ بينها وبينَ الحطامِ، فقد كانتْ تحتهُ. وأوَّلَ ما توقَّفَ الانهيارُ، أشارَ أشهبُ للعنقاءِ بأن تصعدَ فوقهُ، وقد فعلتْ ذلكَ برشاقةٍ، ثمَّ طارَ أشهبُ فوقَ القصرِ ورأى دمارَ كلِّ شيءٍ أمامهُ. وهوَ هكذا، إذ جاءهُ تنينٌ مسرعٌ يريدُ قتلهُ، ولكنَّ أشهبَ طارَ لأعلى قبلَ أن يصطدمَ بهِ وصرخَ ومالَ برأسهِ إلى العنقاءِ فوقَهُ، إشارةً لها أن تتمسَّكَ، ثمَّ نزلَ إلى أسفلَ وضربَ بجسدهِ التَّنينَ حتى أسقطهُ. وأوَّلَ ما سقطَ عادَ إنسانًا، فاقتربَ منهُ أشهبُ بمسافةٍ وتوقَّفَ، ففهمتِ العنقاءُ ما يُريدُ، فقفزتْ وأشهرتِ السَّيفَ بحيثُ لم تصلْ إلى الأرضِ إلا والسَّيفُ في بطنِ الرَّجلِ. ثمَّ التفتتْ فرأتْ رجلينِ يأخذانِ جاسرًا وهو هائجٌ عليهما، فأرادتْ أن تذهبَ لهُ، ولكنَّ أشهبَ صرخَ وطارَ بالقربِ منها، فنظرتْ لهُ ثمَّ أعادتِ النَّظرَ إلى جاسرٍ في تردُّدٍ. ولكنْ معَ صراخِ أشهبَ، تركتْ جاسرًا على مضضٍ وقفزتْ بكلِّ ما استطاعتْ من قوَّةٍ وأمسكتْ بذيلِ أشهبَ الذي أنزلهُ لها، ثمَّ ألقاها أشهبُ عاليًا وطارَ إليها حتى إذا سقطتْ تسقطُ فوقَ ظهرهِ. ثمَّ طارَ أشهبُ فوقَ العاصمةِ يبحثُ بعينيهِ عن همامَ ووهجَ ورغداءَ. وهوَ هكذا، انضمَّ لهُ تنينانِ يعرفهما جيِّدًا، وهما يمانُ ورسيلُ، وهم يبحثون. إذ نادى مُنادٍ بصوتٍ جهوريٍّ أسمعَ عددًا كبيرًا من النَّاسِ: المنادي: "يا معشرَ المسلمينَ، فِرُّوا وأنجُوا بأنفسكم، فلا مقامَ لكم بعدَ اليومِ على هذهِ الأرضِ، فلن يتركوكم وسَيفنونكم كما أفنوا أسلافَكم، فلتكنْ لكم فيهم عِبرةٌ. واعلموا أنَّها الحربُ أو الموتُ المُحتَّمُ عليكم بالجبالِ الجنوبيَّةِ، فإنَّها مأمنٌ لكم من أعدائكم، فليسَ خلفَكم إلا مسلمينَ مثلكم!" عندما سمعَ المسلمونَ هذا ضاقتْ عليهم الأرضُ بما رحبتْ، وصرختْ صارخةٌ فيهم أن: الصَّارخةُ: "واثُكلاه، واثُكلاه! ماتَ البعلُ والابنُ والأبُ وضاعتِ الأرضُ، فما للعيشِ سبيلٌ بعدَ اليومِ!" ثمَّ أخذتْ سيفًا كانَ بالقربِ منها وطعنتْ نفسها وسقطتْ غارقةً في دمائها. عندما رأتِ العنقاءُ هذهِ المرأةَ وما فعلتْ، أعادتْ لها ذكرى كانتْ منسيَّةً في دهاليزِ ذكرياتها، فصرختْ صرخةً رجَّتْ أركانَ العاصمةِ وأركانَ قلبِ أشهبَ وأدمتهُ. ثمَّ وضعتْ يدها على فمها وانهمرتِ الدُّموعُ كالشَّلَّالِ على وجهها، ثمَّ رفعتْ وجهها إلى السَّماءِ وأطلقتْ تنهيدةً كأنَّها خرجتْ من أعماقِ البحارِ، ورسيلُ ويمانُ ينظرانِ لها بشفقةٍ واستغرابٍ. ظلَّ أشهبُ ويمانُ ورسيلُ يطيرونَ ويبحثونَ عن أهاليهم. وفي قلبِ أشهبَ الكثيرُ، وقد وجدوهم مُجتمعينَ في رُكنٍ في الغابةِ بعيدًا نسبيًّا معَ بعضِ الأهالي الآخرينَ. فنزلوا لهم وأصعدوهم على ظهورِهم، وانضمَّ بعضُ التَّنانينِ الآخرينَ يُساعدونهم على عجلٍ. وهكذا فعلَ مَن يستطيعُ، تنانينُ تصدُّ هجماتِ العدوِّ وتنانينُ يأخذونَ مَن يستطيعونَ أخذَهُ معهم من المسلمينَ. وعندما طارَ أشهبُ ومَن معهُ في اتِّجاهِ الشَّمالِ، اعترضَ طريقهم ثلاثةُ تنانينَ زرقٍ. ولم يكنْ يستطيعُ أحدٌ منهم أن يُقاتلهم، فلو فعلوا لسقطَ النَّاسُ من فوقِهم. ولم يكنْ يستطيعُ أحدٌ من التَّنانينِ الباقينَ الذينَ يحمونَ ظهورَهم من مساعدتهم، فلو فعلوا سيتركونَ التَّنانينَ التي يُقاتلونهم وسيزدادُ الأمرُ سوءًا.