5- الانقلابُ
تركتِ العنقاءُ الكتابَ والتفتتْ إليهِ تنتظرُ ما سيقولُ.
أشهبُ: "أريدُكِ أن تنضمِّي إلى الجيشِ."
استغربتِ العنقاءُ وقالت:
العنقاءُ: "لِمَ قد أنضمُّ؟ لا أظنُّهم بحاجتي، ثمَّ إنَّ كلَّ مَن في الجيشِ إمَّا جنودٌ أو مساعدونَ، وأنا لا أملكُ قدرةَ المساعدينَ على القفزِ الهائلِ الذي يقومونَ بهِ."
أشهبُ: "أوَلَيسَ لديكِ قوَّةُ جسمٍ كبيرةٌ؟"
العنقاءُ: "بلى."
أشهبُ: "هذا كافٍ جدًّا، ثمَّ إنِّي أريدُكِ أن تعلَمي المستجدَّاتِ على السَّيفِ، فقدراتكِ بهِ ممتازةٌ."
العنقاءُ: "حسنًا، سأُفكِّرُ في الأمرِ."
أشهبُ: "بل ستأتينَ معي اليومَ حينَ أذهبُ بعدَ الظُّهرِ."
نظرتْ لهُ بنصفِ عينٍ وقالتْ:
العنقاءُ: "أهذا إجبارٌ؟"
أشهبُ: "ربما."
ردَّتْ عليهِ بعدمِ مبالاةٍ بإجابتهِ:
العنقاءُ: "حسنًا، ماذا ستفعلُ حيالَ أمرِ الخائنِ؟"
أشهبُ: "أنا أشكُّ بشخصينِ، وسأنظرُ في أمرهما."
العنقاءُ: "جيِّدٌ."
ثمَّ دخلتْ رغداءُ ونظرتْ لأشهبَ وقالتْ:
رغداءُ: "هل أُعِدُّ الإفطارَ الآنَ أم أُؤخِّرهُ؟"
نظرَ أشهبُ إلى العنقاءِ. سألها قائلًا:
أشهبُ: "ما رأيكِ؟"
العنقاءُ: "كيفَ ما تُريدُ."
التفتَ إلى رغداءَ وقالَ:
أشهبُ: "أعدِّيهِ الآنَ."
رغداءُ: "حسنًا."
خرجتْ رغداءُ وهي تَمطُّ شفتَها قائلةً في نفسها:
رغداءُ: "منذُ متى تستشيرُ غيركَ في أموركَ الخاصَّةِ؟"
حضرتْ لهما الإفطارَ وأكلا، ثمَّ قالتْ لهُ العنقاءُ وهما يجلسانِ في المكتبةِ:
العنقاءُ: "هل أرسلتَ في طلبِ جاسرٍ؟"
أجابها وهو يمسكُ كتابًا يقرأهُ وعينهُ في الكتابِ:
أشهبُ: "أجلْ، سيصلُ بعدَ أسبوعٍ بإذنِ اللهِ."
بعدَ الظُّهرِ، في معسكرِ الجيشِ شمالَ المدينةِ، دخلَ أشهبُ والعنقاءُ. وقد كانَ لا يمرُّ أحدٌ بالقربِ من أشهبَ إلا ونظرَ للأسفلِ. كانَ المعسكرُ كبيرًا جدًّا، مُنفصلًا إلى قسمينِ: القسمُ الشَّماليُّ تدَّربُ فيهِ النِّساءُ، وإن كانَ يدخلُهُ بعضُ القاداتِ، والقسمُ الجنوبيُّ للرِّجالِ. وفي المنتصفِ من النَّاحيةِ الشَّرقيَّةِ، كانتْ حجراتُ القاداتِ على اختلافِ رُتبهم.
دخلَ أشهبُ على قسمِ النِّساءِ معَ العنقاءِ، وأوَّلَ ما دخلا، بدأتِ العنقاءُ تسمعُ همسَ النِّساءِ حولَ أشهبَ، والبعضُ تُشيرُ لهُ بيدها خلسةً. وكلُّ هذا كانَ أشهبُ يراهُ بعدمِ مبالاةٍ، ولكنَّهُ يختلسُ النَّظرَ إلى العنقاءِ ليرى ردَّةَ فعلها، ولكنْ لم يبدُ منها سوى الصَّمتِ والنَّظرةِ الحادَّةِ التي لا تُفارقها إلا قليلًا.
وصلا إلى ساحةِ التَّدربِ على السَّيفِ ودخلا، واتَّجهَ أشهبُ إلى امرأةٍ كبيرةٍ في السِّنِّ إلى حدٍّ ما، كانَ يبدو عليها الشِّدَّةُ والقوَّةُ على عكسِ سنِّها. وقفَ أمامها وقالَ:
أشهبُ: "كيفَ حالُ التَّدريبِ يا وجدُ؟"
وجدُ: "كلُّ التَّدريباتِ جيِّدةٌ، إلا التَّدريبَ على السَّيفِ. فبعدَ ما ماتَ زيادٌ واستلمتْ التَّدريبَ مَنارُ، أصبحتْ مستوياتُ المتدرباتِ في تدنٍّ."
هزَّ برأسهِ ومسحَ على لحيتهِ ثمَّ قالَ:
أشهبُ: "حسنًا، هذهِ العنقاءُ مبارزةٌ على مستوى عالٍ جدًّا، ستستلمُ تدريبهنَّ."
نظرتْ وجدُ إلى العنقاءِ ووجدتْها صغيرةً في السِّنِّ فقالتْ:
وجدُ: "ولكنَّها صغيرةٌ، يبدو عليها أنَّها لم تدخلِ الثَّلاثينَ بعدُ حتى."
أدارَ لها ظهرهُ وسارَ نحو المخرجِ من القسمِ قائلًا:
أشهبُ: "افعلي ما أمرتُكِ بهِ وكفى."
خرجَ أشهبُ وبقيتْ وجدُ معَ العنقاءِ. نظرتْ وجدُ في عينيِ العنقاءِ بحدَّةٍ، ففوجئتْ بها تردُّ لها نفسَ النَّظرةِ، فأبعدتْ نظرها وقالتْ في نفسها:
وجدُ: "إنَّها أقوى ممَّا تبدو عليهِ، وكيفَ لا وهيَ من طرفهِ!"
أشارتْ وجدُ للعنقاءِ أن تتبعها، وسارتا إلى مكانِ تدربِ النِّساءِ على السَّيفِ.
عندَ أشهبَ
دخلَ أشهبُ إلى حجرتهِ، وما هي إلا لحظاتٌ حتى أمرَ الرَّجلَ الذي يقفُ على حجرتهِ أن يُخبرَ أحدَ القادةِ أن يأتيَ إليهِ.
ذهبَ الرَّجلُ ليُخبرَ القائدَ أنَّ أشهبَ يريدهُ، وما هي إلا دقائقُ حتى أتى القائدُ ودخلَ عليهِ الحجرةَ. أشارَ لهُ أشهبُ بالجلوسِ ثمَّ قالَ لهُ:
أشهبُ: "كما تعلمُ يا فراسُ أنَّ الخليفةَ أمرنا بتشديدِ الحراسةِ على الحدودِ الشَّماليَّةِ."
فراسُ: "نعم."
أشهبُ: "ولكنَّ الخليفةَ أمرني أن لا نُكثِّفَ الرِّجالَ على جبلِ السَّحابِ لوُعورتهِ وصعوبةِ المرورِ من خلالهِ. أُخبرك بهذا حتى تذهبَ وتتأكَّدَ من أنَّ أمري وصلَ لهم هناكَ."
فراسُ: "حسنًا، سأقومُ بذلكَ."
قامَ فراسُ وخرجَ من عندِ أشهبَ، وأمرَ أشهبُ الرَّجلَ الذي عندهُ باستدعاءِ قائدٍ آخرَ. وبالفعلِ أتى ذلكَ القائدُ ودخلَ عليهِ، فأشارَ لهُ أشهبُ بالجلوسِ ثمَّ قالَ لهُ مثلَ ما قالَ لفراسٍ.
وبعدَ دقائقَ من خروجِ القائدِ، استدعى أشهبُ رجلينِ من رجالهِ، وأوَّلَ ما دخلا عليهِ قالَ لهما:
أشهبُ: "أريدُكما أن تتبعَا القائدَ فراسَ والقائدَ قسورةَ، وتُعلِماني أينَ ذهبَ كلٌّ منهما. أنتَ يا يمانُ ستلحقُ بقسورةَ، وأنتَ يا همامُ بفراسَ."
يمانُ: "أمركَ سيدي."
خرجَ يمانُ وهمامُ يتبعانِ فراسَ وقسورةَ. أمَّا أشهبُ فخرجَ ينظرُ في أمرِ الجنودِ.
عندَ العنقاءِ
كانتْ تنظرُ كيفَ تتبارزُ المتدرباتُ فوجدتهم في مستوى متدنٍّ فقالتْ لهنَّ:
العنقاءُ: "لديكنَّ أخطاءٌ كثيرةٌ جدًّا ستُؤثِّرُ كثيرًا عليكنَّ وقتَ القتالِ، وربما استغلَّ العدوُّ هذا ضدَّكنَّ."
قالتْ إحدى الفتياتِ باستخفافٍ من العنقاءِ:
الفتاةُ: "أرينا أنتِ قتالكِ الذي سيَقضي على خصمكِ!"
لم تجبها العنقاءُ واتَّجهتْ لها، أخذتْ منها سيفَها وعيناها تُتوِّعدُها، ثمَّ ابتعدتْ عنهنَّ بمسافةٍ جيِّدةٍ وبدأتْ تُريهنَّ كيفَ تكونُ المبارزةُ بالسَّيفِ باحترافٍ. ثمَّ بعدها توقَّفتْ ونظرتْ للفتاةِ وقالتْ:
العنقاءُ: "هكذا يكونُ القتالُ، وبعدَ اليومِ لا أُريدُ أن أسمعَ أي تجاوزاتٍ، أتسمعنَ؟"
ثمَّ أخذتْ ترتِّبهنَّ وبعدها بدأتْ في التَّدريبِ.
عندَ يمانَ
لحقَ يمانُ بقسورةَ الذي خرجَ بعدَ أن كانَ عندَ أشهبَ خارجَ المدينةِ، واتَّجهَ مكانًا بعيدًا وسطَ الغابةِ ثمَّ وقفَ وبدأَ بإطلاقِ صوتٍ غريبٍ، ويمانُ ينظرُ لهُ من بعيدٍ. وبعدَ ربعِ ساعةٍ أتى خمسةُ رجالٍ، فاقتربَ يمانُ منهم دونَ أن يشعروا بهِ. وأوَّلَ ما وصلَ لنقطةٍ يمكنهُ سماعُ ما يقولونَ خلفَ إحدى الأشجارِ، سمعَ قسورةَ يقولُ:
قسورةُ: "قرَّرَ الخليفةُ أن يبقى جبلُ السَّحابِ دونَ حراسةٍ، فاستغلُّوهُ للدُّخولِ وللخروجِ."
أحدُ الرِّجالِ: "ولكنَّهُ وعرٌ جدًّا."
قسورةُ: "لا بدَّ من المخاطرةِ."
هزَّ الرَّجلُ رأسَهُ وقالَ:
الرَّجلُ: "حسنًا."
ثمَّ ذهبَ الرِّجالُ وبقيَ قسورةُ ينظرُ حولهُ يتأكَّدُ أن لا أحدَ رآهُ. وعندما وجدهُ يمانُ يلفُّ وجهَهُ ناحيتهُ، أرجعَ رأسهُ بسرعةٍ خلفَ الشَّجرةِ قبلَ أن يلحظهُ، وانتظرهُ حتى يذهبَ ثمَّ عادَ إلى أشهبَ.
عندَ أشهبَ
وصلَ يمانُ إلى أشهبَ فوجدهُ في حجرتهِ، فدخلَ عليهِ بعدَ أن أذنَ لهُ وجلسَ على الكرسيِّ أمامَ مكتبهِ وقالَ لهُ:
يمانُ: "لقد تبعتهُ ورأيتُ أمرًا جللًا."
أشهبُ: "خائنٌ."
قبضَ يمانُ حاجبيهِ باستغرابٍ وقالَ:
يمانُ: "كيفَ علمتَ؟"
أشهبُ: "لا تشغلْ بالكِ. يمكنكَ الذَّهابُ الآنَ."
يمانُ: "ماذا عن أمرِ فراسٍ؟"
أشهبُ: "لا تشغلْ بالكِ بهِ."
خرجَ يمانُ وبقيَ أشهبُ ينظرُ للفراغِ ويقولُ:
أشهبُ: "الأمرُ أكبرُ من مجرَّدِ خيانةٍ، هو أكبرُ بكثيرٍ، ولكنْ ما هو؟ ماذا ينوونَ؟"
ثمَّ مسحَ على لحيتهِ وقالَ:
أشهبُ: "ولكنْ ما أنا متأكِّدٌ منهُ أنَّهم لا ينوونَ بالمسلمينَ خيرًا."
عندَ العنقاءِ
وهي لا تزالُ تدربُ النِّساءَ، رأتها فتاةٌ محجَّبةٌ من بعيدٍ مُسفِرةٌ عن وجهها، فاقتربتْ منها وألقتِ السَّلامَ عليها ثمَّ مدَّتْ لها يدها تُصافحها، فصافحتها العنقاءُ ثمَّ قالتِ الفتاةُ:
الفتاةُ: "العنقاءُ، زوجةُ أشهبَ، أليسَ كذلكَ؟"
أشارتِ العنقاءُ للمتدرباتِ أن يستمررنَ في التَّدريبِ ثمَّ التفتتْ وقالتْ للفتاةِ:
العنقاءُ: "بلى."
الفتاةُ: "أنا رسيلُ، زوجةُ يمانَ، صديقِ أشهبَ المقرَّبِ هو وهمامُ."
ابتسمتْ لها العنقاءُ، وكانتْ قد نزعتِ اللِّثامَ لَمَّا رأتْ خلوَّ المكانِ من الرِّجالِ وقالتْ لها:
العنقاءُ: "تشرَّفتُ بمعرفتكِ."
رسيلُ: "وأنا أيضًا."
بعدَ يومٍ، يرسلُ أشهبُ بعضَ رجالهِ ليُحضروا قسورةَ ثمَّ زجَّ بهِ في السِّجنِ.
يمرُّ أسبوعٌ يُقيمُ فيها الخليفةُ خطبةَ أشهبَ معَ وهجَ، وكانَ الحضورُ كبيرًا جدًّا من أعالي القومِ.
بعدَ أسبوعٍ من الخطبةِ
في اللَّيلِ حيثُ السُّكونُ يملأُ طرقاتِ العاصمةِ والسُّرجُ تزيِّنُ بيوتَ النَّاسِ، كانَ أشهبُ في بلاطِ الخليفةِ يجلسُ معَ نُدمائهِ. انتظرَ أشهبُ حتى فرغَ المجلسُ من النَّاسِ قبيلَ الفجرِ وقالَ للخليفةِ:
أشهبُ: "يا سموَّ الخليفةِ، لديَّ ما أُنبئُكَ بهِ."
الخليفةُ: "تكلَّمْ، إنِّي أسمعُكَ."
أشهبُ: "أشعرُ أنَّ هناكَ مكيدةً تُكادُ من خلفِ سموِّكَ."
الخليفةُ: "وعلى أيِّ شيءٍ استنتجتَ ذلكَ؟"
أشهبُ: "أمسكتُ أحدَ الخونةِ منذُ فترةٍ."
الخليفةُ: "لا تُكبِّرِ الأمرَ يا أشهبُ، فوجودُ خائنٍ ليسَ بالضَّرورةِ أنَّهُ يُكادُ لنا المكائدَ."
سكتَ أشهبُ قليلًا وقالَ:
أشهبُ: "حسنًا سموُّكَ، هل يمكنني الانصرافُ؟"
الخليفةُ: "بالطَّبعِ، ولا تُفكِّرْ في الأمرِ كثيرًا."
خرجَ أشهبُ يفكِّرُ في استهتارِ الخليفةِ ويائسًا منهُ.
في اليومِ التالي
كانتِ العنقاءُ تسيرُ على جاسرٍ الذي وصلَ قبلَ أسبوعٍ. وهيَ تسيرُ في طرقاتِ العاصمةِ قريبةً من بيوتِ العامَّةِ، إذ سمعتْ امرأةً في أحدِ البيوتِ تبكي وتقولُ لزوجها:
المرأةُ: "افعلْ شيئًا يا عاصمُ، الصِّغارُ يموتونَ جوعًا!"
عاصمُ: "ماذا عسايَ أن أفعلَ؟ كلُّ ما في وُسعي فعلتهُ، حتى الخليفةُ طرقتُ بابهُ ولم يُعِرْ أمري اهتمامًا، وكلَّما سألتُ شخصًا أن أعملَ معهُ رفضَ."
بكتِ المرأةُ أكثرَ وقالتْ:
المرأةُ: "يا لهُ من خليفةٍ ظالمٍ! لا يهمُّهُ إلا سلطانهُ ومالهُ وابنتهُ!"
عاصمُ: "لنا اللهُ، ماذا عسانا أن نفعلَ؟ هذا خليفتنا وعلينا السَّمعُ والطَّاعةُ."
عادتِ العنقاءُ إلى المنزلِ بعدَ الذي سمعتهُ، وأخذتْ بعضَ المالِ والطَّعامِ وذهبتْ بهِ إلى بيتِ عاصمٍ، ووضعتِ المالَ والطَّعامَ أمامَ البابِ ثمَّ طرقتْ وابتعدتْ من أمامهُ وظلَّتْ تنظرُ من بعيدٍ حتى فتحَ عاصمُ البابَ ووجدَ الطَّعامَ والمالَ، فظلَّ ينظرُ حولهُ يُريدُ أن يعلمَ مَن أحضرهُ، ولمَّا لم يرَ أحدًا أدخلهُ وهو في غايةِ السَّعادةِ. سمعتهُ العنقاءُ وهو ينادي امرأةً يُبشِّرها بما وجدَ، والتي فرحتْ بهِ أيَّما فرحٍ. وظلَّتِ العنقاءُ تفعلُ هذا باستمرارٍ أسبوعيًّا، تعطيهم الطَّعامَ والمالَ ما يكفيهم أسبوعًا دونَ أن يعلموا بها.
وتمرُّ الأيَّامُ ويحدِّدُ الخليفةُ عرسَ ابنتهِ بعدَ أربعةِ أشهرٍ. وكانَ طوالَ هذهِ الأشهرِ العنقاءُ تدربُ النِّساءَ في الجيشِ، وأشهبُ لا ينفكُّ يفكِّرُ في أمرِ الخونةِ وماذا يمكنُ أن يحدثَ.
تعرَّفتْ عائلتا أشهبَ ويمانَ، وأصبحتِ العنقاءُ ورسيلُ صديقتينِ مقرَّبتينِ، وقد علمتِ العنقاءُ أنَّ رسيلَ إحدى الجنديَّاتِ اللاتي يتحوَّلنَ إلى تنانينَ هي وزوجها، أمَّا أخوهُ همامُ فهو من المساعدينَ.
بعدَ أربعةِ أشهرٍ، أقامَ الخليفةُ زفافَ أشهبَ ووهجَ.
وقد كانَ زفافًا كبيرًا، سُمعَ بهِ القاصي والدَّاني، وحضرَهُ أعالي القومِ من كلِّ المدنِ. ولم تبقَ مدينةٌ إلا زُيِّنتْ واحتفلَ أهلُها بزفافِ ابنةِ خليفتهم.
في قصرِ الخليفةِ
حيثُ يُقامُ الزَّفافُ على أتَمِّ وجهٍ في باحةِ القصرِ التي تمتدُّ إلى مسافاتٍ كبيرةٍ نسبيًّا، وكلُّ شيءٍ مُزيَّنٌ بأبهى صورهِ. كانَ أشهبُ يقفُ بجانبِ وهجَ بعدَ أن عُقدَ قرانهما، يشعرُ بضيقٍ لم يُبدِهِ، والنَّاسُ تقتربُ منهم لِتُحيِّيهم وتدعو لهما بالبركةِ، والخليفةُ يجلسُ على يمينهما بعيدًا عنهما بمسافةٍ.
وما هي إلا ساعاتٌ من إقامةِ الزَّفافِ حتى تنطلقَ من فوقِ رؤوسهم النِّيرانُ وجمعٌ غفيرٌ من التَّنانينِ فوقهم، يُحطِّمونَ كلَّ شيءٍ أمامهم في القصرِ وفي العاصمةِ. البيوتُ تنهارُ والنِّساءُ والأطفالُ يصرخونَ، والرِّجالُ لا تدري من أينَ يأتيها الموتُ، فكلُّ حدبٍ وصوبٍ فيهِ رجلٌ أو تنينٌ يقتلُ من غيرِ تفريقٍ مَن أمامهُ، وكثرَ الهرجُ في العاصمةِ.
صُعقَ أشهبُ ممَّا رأى ووضحَ لهُ كلُّ شيءٍ بعدَ أن رأى قسورةَ معَ التَّنانينِ وبجانبهِ وهجُ تُصرِّحُ وتُمسكُ في يديهِ، فما كانَ منهُ إلا أن قالَ لهمامٍ الذي كانَ قد اقتربَ منهُ يركضُ:
أشهبُ: "همامُ، خذْ معكُ وهجَ واذهبْ إلى بيتي حيثُ العنقاءُ ورغداءُ، وأخرجهنَّ من العاصمةِ فورًا!"
وبالفعلِ أخذَ همامُ وهجَ التي كانتْ تصرخُ وتقاومُ تُريدُ البقاءَ لترى حالَ أبيها، ولكنَّهُ أخذها عنوةً وسارَ بها خارجَ القصرِ يقتلُ كلَّ مَن يعترضُ طريقهُ من المنقلبينَ بسيفٍ وجدهُ على الأرضِ سقطَ من أحدِ الحراسِ.
أمَّا أشهبُ فنظرَ إلى مكانِ الخليفةِ فلم يجدهُ، فذهبَ يركضُ إلى داخلِ القصرِ يبحثُ عنهُ.