الإنتقام الأخير - "الظل الذي يتحرك في الخفاء" - بقلم سما | روايتك

اسم الرواية: الإنتقام الأخير
المؤلف / الكاتب: سما
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: "الظل الذي يتحرك في الخفاء"

"الظل الذي يتحرك في الخفاء"

كان الصباح قد اكتمل حين دخلوا الغابة. تسلّل ضوء الشمس بين الأشجار العالية، يتكسر على الأوراق الكثيفة، ليترك بقعًا ذهبية دافئة على الأرض الترابية. بدا المكان وكأنه يستقبلهم بصمتٍ هادئ لا يُفسَّر. الهواء هنا مختلف... أخف، أنقى، ويحمل رائحة نباتاتٍ رطبة لم تألفها تورو من قبل. سارت تورو بين داي ويوشيرو بخطوات بطيئة في البداية، تلتفت حولها كأنها ترى العالم لأول مرة فعلًا. الأشجار الشاهقة، أصوات الطيور البعيدة، واهتزاز الضوء بين الأغصان... كل شيء بدا جديدًا بشكل مربك، كأنها خرجت من مكان ضيق إلى عالم لا نهاية له. كان داي يسير بجانبها، يرمقها بين الحين والآخر بابتسامة خفيفة كلما توقفت عند شيء صغير؛ زهرة، أو أثر ظل طائر على الأرض. أما يوشيرو فكان على النقيض تمامًا. يمشي بخطوات ثابتة دون استعجال، عينيه تتقدمان الطريق أكثر من المكان نفسه، وكأنه لا يمنح الغابة أي اهتمام إلا بقدر ما تسمح به الضرورة. مع مرور الوقت، تغيّرت خطوات تورو. لم تعد مترددة كما في البداية، بل أصبحت أخف، أكثر جرأة، كأن الغابة بدأت تفتح لها أبوابها واحدًا تلو الآخر. فجأة، التفت داي نحوها. نظر إليها لحظة قصيرة، ثم أمسك يدها دون أي مقدمات. تجمّدت تورو في مكانها لثانية، واتسعت عيناها بدهشة سريعة، قبل أن تدرك ما يحدث بالفعل. ثم اندفع داي إلى الأمام وهو ما يزال ممسكًا بها، وبدأ يركض بين الأشجار. تحوّل الهواء حولهما إلى سرعة، والأرض إلى خطوط متداخلة تحت الأقدام، وأصوات الغابة إلى خلفية بعيدة تتلاشى مع الحركة والضوء. في البداية حاولت تورو فهم ما يحدث، لكن الاندفاع كان أقوى من أفكارها. شيئًا فشيئًا، خفّ توترها... ثم انفجرت ضحكة قصيرة لم تعهدها، قبل أن تركض معه بدل أن تقاومه. توقف يوشيرو للحظة. راقبهما وهما يبتعدان بين الأشجار، دون أن تتغير ملامحه، لكن عينيه تابعتا المشهد بحدة قصيرة. ثم أكمل سيره بهدوء، وكأن ما حدث مجرد تغيير بسيط في إيقاع الطريق، لا أكثر. استمر داي في الركض حتى بدأت الغابة تتسع قليلًا، وانفتح فراغ بين الجذوع. توقف فجأة. وتوقفت تورو معه وهي تلتقط أنفاسها بخفة. كان المكان أكثر اتساعًا... كأن الغابة تراجعت خطوة إلى الخلف لتكشف ما كانت تخفيه. كانت هناك... مجموعة تنتظر. تورو أبطأت خطواتها قليلًا، وهي تمسح المكان بعينيها. لم يكن شعورها خوفًا، بل شيء أقرب إلى الترقب... كأنها على وشك دخول جزء جديد من حياتها لا تعرفه بعد. على جذع شجرة مقطوع، تجلس فتاة ذات شعر طويل نيلي وعيون زرقاء، تميل برأسها قليلًا وهي تراقبهم. كان صوتها خفيفًا، فيه ثقة واضحة بنفسها أكثر من اللازم و هي تقول: "عجبًا... إذن هذه هي العضوة الجديدة في فريقنا؟" إلى جانبها، كان شاب ذو نظارة مستطيلة، شعره أسود مع خصلة بيضاء، ينظر بهدوء نحو تورو، همس: "لا تبدو مختلفة كثيرًا..." لم يكن حكمًا، بل ملاحظة باردة. على الطرف الآخر، شاب بشعر أشقر يغطي عينيه تحرك قليلًا في مكانه، ثم قال بصوت متردد: "لا أرى مشكلة... إذا بقيت معنا." فجأة، تدخلت فتاة بشعر برتقالي مربوط، وعينين خضراوين حادتين: "نحن بالكاد نتحمل عددنا الحالي، والآن تريدون إضافة شخص جديد؟" ثم، من جهة أخرى، رفعت فتاة صغيرة ذات شعر بني وعيون خضراء رأسها بابتسامة واضحة: "أنا أرى أنها فكرة جيدة. ربما تساعدني في العثور على أعشاب جديدة" للحظة، بدا العالم ساكنًا بما يكفي لأن يسمعوا ارتطام الضوء بالأغصان. وبعد دقائق قصيرة، وصل يوشيرو أخيرًا. لم يكن يركض مثل داي، ولا يبدو عليه التعب، بل بدا وكأنه عبر الغابة كلها بالإيقاع الهادئ نفسه دون أن يتغير شيء. توقفت عيناه عند الشاب ذي النظارة، ثم قال بهدوء معتاد: "ألم يصل القائد أكاروي بعد؟" رفعت الفتاة ذات الشعر البنفسجي حاجبها بتملل واضح: "إذن تأخر مجددًا؟." قال الشاب الذي يغطي شعره عينيه بسرعة، وكأنه يحاول منع أي نقاش قبل أن يبدأ: "ربما حدث أمر في الطريق." أما الفتاة ذات الشعر البرتقال، فاكتفت بعقد ذراعيها وهي تنظر نحو الأشجار بصمت حاد، كأن نفاد صبرها يزداد مع كل دقيقة. وقفت تورو بهدوء قرب داي، لكنها لم تعرف أين تضع نظرها تمامًا. كلما التقت عيناها بأحدهم، شعرت وكأنها أصغر من المكان... كأن وجودها بينهم ما يزال شيئًا غير مؤكد. وللحظة، راودها ذلك الشعور مجددًا. أن تنسحب الآن سيكون أسهل. لكن قبل أن تتمكن الفكرة من الاكتمال- تحركت الأوراق البعيدة مع صوت خطوات هادئة. التفتت الأنظار نحو الطريق الممتد بين الأشجار، ومع الضوء المتسلل من بين الأغصان... ظهرت هيكاري من بين الأشجار، وكأن ضوء الصباح هو من أعاد رسم ملامحها من جديد. شعرها الوردي القصير تحرك بهدوء مع الرياح الخفيفة، بينما انزلقت خصلتان طويلتان قربها كحلم لم يختفِ بالكامل. لم تكن تبتسم... لكن وجودها وحده جعل توتر المكان يهدأ قليلًا، لكن ذلك الهدوء لم يدم طويلًا. فبعد خطوات قليلة خلفها- ظهر ظلٌّ آخر بين الأشجار. كان أطول منها بقليل، يسير بخطوات هادئة لا تُصدر صوتًا تقريبًا فوق الأرض الرطبة. تحرك شعره الأسود قليلًا مع الرياح الخفيفة، بينما انعكس ضوء الصباح فوق عينيه بلونٍ هادئ يصعب قراءته بالكامل. كان أكاروي... يسير خلفها بهدوء، وكأنه اعتاد الوصول بعد أن ينتهي كل شيء. مرّت لحظات قصيرة بعد وصولهما. لم يعد أحد يتحدث عن التأخير، وكأن ظهور أكاروي وحده كان كافيًا ليعيد إيقاع الفريق إلى طبيعته. تحرك نحو منتصف الفراغ بين الأشجار، ثم توقف بهدوء، بينما التفتت الأنظار إليه تلقائيًا. جلس فوق الجذع القريب دون استعجال، بينما بقيت هيكاري واقفة إلى جانبه. ساد صمت قصير. ثم فجأة قطع اكاروي الصمت و قال: "قبل أن نبدأ المهمة... أريد أن أتحدث عن ما حدث قبل مدة داخل الغابة." مرّت لحظات قصيرة بعد وصولهما. لم يعد أحد يتحدث عن التأخير، وكأن ظهور أكاروي وحده كان كافيًا ليعيد إيقاع الفريق إلى طبيعته. تحرك نحو منتصف الفراغ بين الأشجار، ثم توقف بهدوء، بينما التفتت الأنظار إليه تلقائيًا. ساد الصمت لحظةً أطول مما ينبغي بعد كلمات أكاروي. لم يكن صمتًا ثقيلًا… بل صمتًا يشبه سطح ماءٍ ساكن قبل أن تُلقى فيه حصاة. رفع رأسه قليلًا، وكأن الضوء المتسلل بين الأغصان لا يلامس سوى نصف وجهه، بينما النصف الآخر بقي في ظلٍّ هادئ لا يكشف شيئًا. جلس بثبات فوق الجذع، ثم شبك يديه أمامه بهدوء، دون استعجال، كأن الوقت نفسه لا يجرؤ على مقاطعته. قال من جديد، بنبرة أخفض من قبل لكنها أعمق أثرًا: "قبل أن نبدأ المهمة… أريد أن نعود إلى حادث الغابة الأخير." تحركت عيون المجموعة بشكل خفيف، ليس خوفًا… بل كأن الذاكرة نفسها استيقظت للحظة. امتدت الأشجار حولهم كجدران خضراء، تتمايل أوراقها ببطء مع ريح خفيفة، وكأنها تستمع أيضًا. أكمل أكاروي: "النسخ المائية… لم تكن مجرد هجوم عابر." توقف، وكأن الحروف نفسها تُصاغ داخله بقوة غير مرئية، تنتظر لحظة التحرر من قيود الصمت. في تلك اللحظة، مرّ ظل طائر بين الأغصان، فمرّ الضوء على وجوههم لثانية ثم اختفى، لم يتحرك داي. فقط كان واقفًا كما هو، لكن عينيه صارتا أكثر تركيزًا، كمن يعيد ترتيب مشهد قديم في ذاكرته. تورو إلى جانبه رفعت نظرها قليلًا، ليس بقلق… بل بتأمل هادئ، كأنها تستمع لشيء بدأ يكتسب معنى متأخرًا. أما البقية، فبقيت ملامحهم ضمن حدود الهدوء، ذلك النوع من الهدوء الذي يسبق الفهم، لا الانفعال. واصل أكاروي: "والأهم… أن عدد المفقودين في ازدياد." صمت… هذه المرة لم يكن الصمت من الغابة، بل من الكلمات نفسها. ارتفع نظره ببطء نحو الأشجار البعيدة، حيث يتداخل الضوء مع الظلال كخيوط غير مكتملة. تابع: "كل شيء يشير إلى أن ما يحدث في الغابة… لم يعد طبيعياً. ظهرت بشكل منظم. تتحرك كأنها تتبع نمطًا… أو أوامر." رفع أكاروي عينيه مجددًا، وهذه المرة كان صوته أهدأ من قبل، لكنه أثقل: "ما واجهتموه سابقًا… كان مجرد بداية." تلاشت الكلمات الأخيرة في الهواء، تاركة وراءها إدراكًا بدأ يتشكل بصمت. تورو لم تتغير ملامحها كثيرًا، لكن نظرتها ابتعدت قليلًا نحو عمق الغابة، كأنها تحاول رؤية ما لا يُرى. داي، بدوره، ظل كما هو، لكن وقفته أصبحت أكثر ثباتًا، كأنه يستعد لشيء لم يُسمَّ بعد. أما الآخرون، فظلوا في أماكنهم، وكأن كل واحد منهم يعيد ترتيب فكرة واحدة داخل رأسه بصمت. أكاروي أرخى يديه أخيرًا، ثم قال بهدوء، كخاتمة لا تحتاج رفع صوت: توقف لثانية قصيرة، ثم أكمل، وعيناه ثابتتان نحو الفراغ بين الأشجار: "سنبدأ باعتباره شيئًا واحدًا… كيانًا واحدًا يتحرك وينمو بصمت." سأل داي باستغراب، وصوته خرج واضحًا هذه المرة: "كيان واحد؟ ماذا تعني بذلك أيها القائد؟" رفعت هيكاري نظرها نحوه بهدوء. قالت بصوت منخفض، وكأنها تحاول ترتيب فكرة يصعب شرحها بالكلمات: "ما يقصده أكاروي… أن ما ظهر داخل الغابة ليس مجرد حوادث منفصلة أو مخلوقات تظهر بالصدفة." تورو اتسعت عيناها قليلًا دون أن تشعر. للحظة قصيرة— مرّ داخل رأسها ضوء أبيض حاد. جدران باردة. رائحة معادن خانقة. وصوتٌ بعيد لرجل يتحدث خلف زجاجٍ سميك: "إذا استمر هذا… فستتجاوز ما يمكن أن نعتبره بشرًا." اختفى الصوت بسرعة، كأنه لم يكن سوى تشقّق عابر في الذاكرة. أما هيكاري، فتابعت دون أن تنتبه لما يحدث داخل تورو: "واختفاء الناس بدأ بعد ظهور تلك الكائنات مباشرة… وهذا ليس طبيعيًا." "النسخ المائية… واختفاء الناس… وحتى التغيرات التي بدأت تظهر في الغابة." "كلها تتحرك بنفس الطريقة تقريبًا… وكأن هناك شيئًا واحدًا خلفها." انخفض صوت الريح بين الأشجار للحظة، أو ربما بدا لهم ذلك فقط. ثم أضافت هيكاري بهدوء: "شيء لا نراه مباشرة… لكنه يترك أثره في كل مكان." التفت داي نحو تورو ببطء. لم تكن نظراته فضولًا، ولا مراقبة… بل شيء أقرب إلى القلق الذي لا يحتاج تفسيرًا. كانت تورو تشد قبضتها دون وعي، وتغيّر في ملامحها شيء خافت… صار أكثر صلابة، كأن الغموض بدأ يضغط عليها من الداخل بدل أن يمر من حولها. هيكاري أخيرًا لاحظت الأمر، وسألتها بقلقٍ خافت: "هل أنتِ بخير؟" تورو أخذت نفسًا عميقًا، كأنه يحاول تثبيت شيء يتفلت من داخلها، ثم قالت بترددٍ محسوب: "أنا بخير… لا داعي للقلق عليّ." ارتجفت ملامحها وهي تحاول تشكيل ابتسامة لا تنتمي إليها… لكنها لم تكتمل كما ينبغي. انحنت زوايا فمها قليلًا، كإشارة هشة لطمأنة لا تؤمن بها حتى هي، بينما بقيت عيناها تقولان شيئًا آخر تمامًا… شيء أثقل من أن يُخفى، وأعمق من أن يُقال. كان الألم واضحًا، ليس في صوتها، بل في المسافة بين ما تحاول قوله وما تعجز عن إنكاره. كأنها تمسك نفسها من الداخل كي لا تتحطم. ابتسامتها بقيت معلّقة للحظة… ثم بدت كأنها تتلاشى ببطء تحت ثقل ما لا يُرى. لكنها شعرت بثقل تلك النظرات أكثر مما شعرت بكلمات أكاروي كلها. وبين الغابة الصامتة، والأغصان التي تتمايل ببطء، بقيت هي في المنتصف… دون أن تقول شيئًا. تلاشت ابتسامة تورو تدريجيًا، وبقيت ملامحها معلّقة بين ما حاولت إخفاءه وما لم يعد بالإمكان ستره. ثم… بدأوا ينظرون إليها. نظرات متفرقة في البداية، كأن كل واحد يتأكد من شعوره أولًا قبل أن يعترف به. بعضها كان متوترًا، حذرًا كمن لا يعرف ما الذي يجب أن يقوله الآن. وبعضها الآخر حمل استغرابًا صامتًا، كأنهم يرونها لأول مرة رغم أنها تقف أمامهم منذ البداية. تورو لم تتحرك. لكنها شعرت بثقل تلك النظرات أكثر مما شعرت بكلمات أكاروي كلها. وبين الغابة الصامتة، والأغصان التي تتمايل ببطء، بقيت هي في المنتصف… دون أن تقول شيئًا. تلاقت النظرات حولها… واستقرّت في النهاية عليها وحدها. توترٌ، استغراب… وصمت لا يُفسَّر. ___ نهاية الفصل. ___