من القرية إلى قصر يعقوب
مرت الدقائق داخل الصالون ببطء، بينما كانت شمس تجلس بجانب يعقوب في هدوء شديد، تخفض عينيها بخجل، والحشمة تغلب على ملامحها البريئة.
أما عائشة، فكانت تراقبها بإعجاب واضح، تشعر أن هذه الفتاة مختلفة عن كل من رأتهم من قبل.
وفجأة، نهض يعقوب دون أن يقول كلمة، واتجه نحو الخارج.
تبادل الجميع النظرات باستغراب، بينما بقيت شمس تنظر نحو الباب بتوتر، لا تعلم ما الذي يحدث.
وبعد مدة قصيرة، عاد يعقوب… لكن هذه المرة لم يكن وحده.
دخل برفقة رجلين، أحدهما عدل يحمل أوراقًا بيده.
في تلك اللحظة، عمّ الصمت المكان، وانصدم الجميع من تصرفه المفاجئ.
قال يعقوب بهدوء حاسم: — "سنكتب العقد الآن."
حتى شمس نفسها رفعت عينيها نحوه بدهشة، بينما شعرت هاجر أن قلبها يرتجف من شدة التوتر.
وخلال دقائق، جلس العدل وبدأ بكتابة عقد القران، بينما كانت سعدية وابنتها نورة تختنقان من الغيرة والصدمة، غير مصدقتين أن شمس، التي كانتا تعاملانها كخادمة، أصبحت زوجة رجل ثري وذو هيبة مثل يعقوب.
أما يعقوب، فكان هادئًا طوال الوقت، يوقع الأوراق وكأنه ينهي صفقة مهمة، لكن عينيه كانتا تعودان إلى شمس بين الحين والآخر دون أن يشعر.
وبعد انتهاء عقد القران، غادر يعقوب مباشرة إلى مراكش بسبب أعماله، بينما بقيت والدته عائشة وإخوته في القرية من أجل تجهيز حفل الزفاف.
مرت خمسة أيام بسرعة…
وجاء يوم الزفاف أخيرًا.
كانت القرية كلها تتحدث عن عروس يعقوب الجميلة.
وفي إحدى الغرف، جلست شمس أمام المرآة ترتدي قفطانًا مغربيًا فاخرًا، زاده جمال عينيها الزرقاوين وشعرها الذهبي سحرًا خاصًا. بدت وكأنها أميرة خرجت من إحدى الحكايات القديمة.
كانت متوترة، تضم يديها بخجل، وقلبها يخفق بسرعة من الخوف والرهبة.
وفجأة، فُتح الباب.
دخل يعقوب.
كان يرتدي جلبابًا مغربيًا أنيقًا، وهيبته المعتادة تملأ المكان. لم يكن من الرجال الذين يبتسمون كثيرًا، بل إن ملامحه الجامدة كانت دائمًا تخفي ما يشعر به.
لكن عندما وقعت عيناه على شمس…
توقف للحظة.
انبهر بجمالها بشكل لم يتوقعه أبدًا.
شعر وكأن كل شيء حوله اختفى، ولم يبقَ في الغرفة سوى تلك الفتاة الجالسة أمامه بخجل.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة، شعر يعقوب بشيء غريب يتحرك داخل قلبه القاسي.
أما شمس، فكانت تراقبه بتوتر، تحاول فهم ذلك الرجل الغامض الذي أصبح زوجها فجأة.
مد يعقوب يده إليها بهدوء وقال: — "هيا."
وضعت يدها الصغيرة المرتجفة في يده، ثم خرجا معًا نحو قاعة الحفل التي بُنيت خصيصًا في القرية.
كانت القاعة مليئة بأهل القرية والعائلة، والأغاني الشعبية المغربية تصدح في كل مكان، بينما الجميع ينظر إلى العروسين بانبهار واضح.
النساء كن يتهامسن عن جمال شمس، والرجال يتحدثون عن هيبة يعقوب وثروته.
وبعد دخولهما، اقترب المصور وبدأ يلتقط لهما الصور، بينما ظلت شمس خجولة طوال الوقت.
أما يعقوب، فلم يكن يحب مثل تلك الأجواء الصاخبة، لذلك غادر القاعة بعد فترة قصيرة، تاركًا البقية يكملون الاحتفال حتى طلوع الفجر.
ومع الساعة السادسة صباحًا، انتهى العرس أخيرًا، وعاد الجميع إلى بيوتهم، بينما بقي أهل يعقوب مع هاجر وشمس.
وفي الصباح، كانت شمس ترتدي قفطانًا بسيطًا وهي تحتضن أمها بقوة، تبكي بصمت لأنها ستتركها لأول مرة.
كانت هاجر تمسح دموع ابنتها وتحاول أن تبدو قوية، لكنها في داخلها كانت تشعر أن جزءًا من قلبها سيرحل مع شمس.
أما يعقوب، فكان يقف قرب سيارته يراقبهما بصمت، وخلفه والدته عائشة، وإخوته، وفاطمة التي كانت تبتسم براحة لأنها أنقذت شمس من مصير مظلم.
وبعد لحظات، ركبت شمس السيارة بجانب زوجها، بينما انطلقت خلفهما سيارة أنور، التي كانت تنقل عائشة وملاك ووصال.
وكانت وجهتهم… مدينة مراكش الحمراء، حيث ستبدأ حياة جديدة لشمس، حياة لا تعرف عنها شيئًا، ولا تعلم إن كانت ستمنحها السعادة… أم ستقودها إلى ألم جديد.