الفصل الخامس
في المحكمة
محامي مناف:
ـ سيدي القاضي، لدينا أدلة وشهود تثبت بأن المتهم له يد في موت روح بشرية، فعندما عرف السيد بأن المغدور به يعرف حقيقته قرر التخلّص منه، فاستدرجه ورماه في البحر.
محامي ليلى:
ـ سيدي القاضي، أعترض على هذه الاتهامات الموجّهة لموكلي مع وجود توضيح.
قال القاضي بحياد:
ـ تفضل بالتفصيل.
ـ موكلي كان في بيته يوم الحادث ولم يخرج أبدًا، والشاهد زوجته.
ـ الشهادة إلى المنبر.
وقفت امرأة ترتعش تمشي بين المقاعد حتى وصلت إلى منبر الشهادة، وقدّم لها الشرطي المصحف قائلًا:
ـ احلفي على كتاب الله بأنك ستقولين الحق بلا نقص أو زيادة.
بصوت مرتجف قريب من الرعشة:
ـ أقسم بالله.
ـ سيدتي، قولي الحق.
نظرت إلى القاضي نظرة مطوّلة برعب وقالت:
ـ في الواقع زوجي هو القاتل.
قالت ذلك وبكت بقوة، وأكملت وهي تشهق:
ـ هو القاتل… أنا سمعته يتحدث بالهاتف، وأيضًا… المحامي وزوجي هدّدني إن لم أقل الحقيقة بأنه سوف يطلّقني ويأخذ الأطفال.
انفجرت في بكاء مرير. في هذه الأثناء نظرت ليلى إليه بفخر مخفي، ونظر مناف بعدل وانتصار.
أخرج القاضي ورقة وشاور المستشارين ثم قال:
ـ أجمعت المحكمة بأن المتهم السيد وليد مذنب، وحُكم عليه بالسجن لمدة لا تقل عن خمسة عشر سنة. رفعت الجلسة.
أُفرغت المحكمة، وفي الخارج تقدمت الصحافة من مناف تسأله:
ـ سيدي، هل أنت راضٍ عن قرار القاضي؟
ـ ومن منا لا يرضى بالعدل؟
أجاب هذا السؤال وذهب بسرعة البرق مختفيًا عن الجميع.
في البيت كان المعتمد يشاهد الأخبار بسعادة، وأخيرًا عاد حق ابن أخيه الميت رحمه الله. تنفّس بألم وهو يتذكر أخاه الميت وكيف مات ولم يؤخذ بحقه، وكيف يُؤخذ الحق وهو المعتمد المذنب الوحيد في هذه المسألة. نظر نظرة خاطفة إلى بيته، إلى عِزّه، إلى ماله، إلى ولده، فهو لا يستحق هذا أبدًا.
دخل مناف البيت مبتسمًا، وتقدّم من والده وسلّم عليه وقال:
ـ أبي، ما رأيك في الأخبار؟
ـ ممتازة، حقًا لم أكن أتوقع أن الحق سيظهر بهذه السرعة.
ـ وأنا أيضًا يا أبي، لكن الحمد لله ظهر الحق وبطل المنكر.
بقيا يتحدثان قليلًا عن أمور العمل، ولكن في مكان آخر بعيد عن الجميع، في مقهى منعزل، كان غسق يجلس وحوله خمسة على طاولة القمار. كان غسق يكره هذه العادة في نفسه لكنه تعوّد عليها.
بعد خمسة أشواط من الفوز تقدّم منه رجل وقال له:
ـ غسق البطل، هل تلعب معي؟
ـ هل أعرفك؟
ـ أنا أعرفك.
ـ واو، لدي سمعة، هيا فلنلعب.
ـ الرهن على خمسة عشر مليونًا.
شهق غسق من الصدمة لكنه اعتبرها تحديًا ووافق، ووقع العقد مع الرجل وبدأ اللعب. بدأ الفوز على غسق والحرقة، ولم يبقَ للرجل سوى بطاقة واحدة، لكنه فجأة قلب غسق الموازين وفاز.
سيأخذ المال، لكن من أين سيجلبه الرجل؟ ابتسم وقال:
ـ مع مهلة حتى الغد للدفع، نقبل بأي شيء.
قال هذا وكان يلمّح لشيء معين في غسق.
قال غسق برجفة:
ـ حسنًا، حسنًا… سلام.
ضحك الرجل بخبث ثم عبس فجأة بغموض ونادى:
ـ جهّز أوراق التبنّي.
في المساء على طاولة العشاء كان غسق يشعر بالتوتر والخوف لكنه رتّب خطته جيدًا.
ـ أبي.
ـ نعم.
ـ أريدك على انفراد.
ـ حسنًا، إلحقني إلى غرفة المكتب.
لحق به وترك الجميع خلفه بحيرة.
ـ أبي، بصراحة ومن دون لف ودوران، أريد خمسة عشر مليونًا، سأفتح مشروعًا مع صديقي وأحتاجه اليوم قبل غد.
ـ من هو صديقك؟
صمت هنيهة وقال:
ـ يوسف ابن سليمان.
ـ حسنًا، لست موافقًا، وهذا آخر كلام عندي، ولا تحاول معي مرة أخرى.
ـ أبي، رجاءً لا تفعل هكذا، رجاءً.
نظر إليه بغضب وقال:
ـ لا، ولا تحاول مرة أخرى، واغرب عن وجهي.
تركه وخرج من البيت وركب سيارته وانطلق بسرعة البرق، لكن سرعان ما لمعت في عينيه فكرة جهنمية: ليس مهمًا أي شيء الآن، الأهم هو حياته.
رفع هاتفه متصلًا بصديق:
ـ مرحبًا دكتور إياد.
ـ غسق، من زمان عليك، أين أنت؟
ـ والله أنت تدري، مشاغل حياة… لكن لدي منك طلب صغير.
ـ تفضل.
ـ ……………………
ـ ماذا؟
ـ ……………………
ـ حسنًا، سوف أتصرف.
ـ شكرًا إياد، كنت أعرف أنك ستسعدني.