القاعه الكونيه وقوه الرابطه البشريه
في عمق القطاع الأوسط من المنشأة السرية حيث تلتقي جدران الخرسانة الباردة بأنابيب التكنولوجيا التي تنبض بالسوائل الكيميائية لم يكن هناك متسع لالتقاط الأنفاس. بالرغم من أن آرثر نجح في تحييد دورية الحراسة الأولى إلا أن الأجواء كانت مشحونه بالخطر .
وقف أليكس في منتصف الممر وعيناه الخضراوان تمسحان الممرات المظلمة بيقظة وكان يدرك تماماً أن الدقائق العشر التي منحتها إيلا لهم عبر قرصنة النظام أوشكت على النفاد.
التفت أليكس نحو لينا وفي حركة حازمة سحب من غمده سيفاً قصيراً مصقولاً من الفولاذ الخفيف كان يتلألأ تحت الإضاءة الخافتة للممر وقدمه لها بقبضته الجلدية المحكمة "لينا خذي هذا إن آرثر ملك عظيم وقوته لاتقدر ولكنه لن يكون قادراً على حمايتكِ في كل ثانية وسط هذا الجحيم لقد انتهى عالم البشر الآمن الذي عهدتِهِ بمجرد أن وطأت أقدامنا هذه الجزيرة الملعونة تحتاجين إلى غريزة قتالية وإلى سلاح يدافع عن روحكِ"
نظرت لينا إلى السيف بتردد ولمعت عيناها العسليتان بظلال الخوف لبرهة فهي فتاة عاشت حياتها بين الكتب والرسومات ولم تتخيل يوماً أن تحمل سيفاً، لكن عندما التفتت ورأت جيكوب يقف بجانب كاردان والوشم الجيد على معصم شقيقها يضئ ومحاولة كاردان للسيطره على نفسه استجمعت كل شتات صمودها تقدمت بخطوات ثابتة وقبضت على مقبض السيف ببراعة فشعرت ببرودة المعدن تسري في عروقها كتيار من القوة النقية.
"اتبعي حركتي وجاري إيقاعي" همس أليكس وهو يرفع سيفه العتيق ليقترب منها في وضعية الهجوم "القتال ضد كائنات المنظمة وحراسها المعدلين لا يعتمد على القوة العضلية بل على ذكاء المسافة واستغلال زوايا الحركة وسرعة الارتداد بعد كل صدة"بدأ التدريب السريع في ذلك الممر الضيق وتحت أنظار آرثر الذي كان يراقبها بعينين فضيتين يمتزج فيهما القلق البالغ بالفخر افي المحاولات الأولى كان توازن لينا يختل بفعل ثقل السيف كادت تسقط أرضاً أكثر من مرة وهي تحاول صد ضربات أليكس التعليمية المتلاحقة وكان صوت اصطدام السيف المكتوم يتردد كتحذير مرعب.
"ركزي على مركز ثقلكِ يا لينا لا تتركي قدميكِ تتباعدان بكثرة" وجهها أليكس بنبرة صارمة خالية من المجاملة ليعلمها الانضباط"عندما يندفع نحوكِ حارس يرتدي درعاً ثقيلاً إياكِ ومواجهة نصله بشكل مباشر بل انحرفي بجسدكِ بزاوية مائلة واستغلي الفجوات غير المحمية في درعه عند المفاصل أو الرقبة"
تنفست لينا بعمق وأغلقت عينيها لثانية واحدة استحضرت فيها شريط آلامها كاملاً: الحادثة التي سرقت والديها الغيبوبة الطويلة لجيكوب والتهديد الحالي الذي يحاول تمزيق عائلتها الجديدة عندما فتحت عينيها تبددت كل ملامح الضعف وحلت محلها نظرة محاربة حاسمة مع الهجمة التالية لأليكس تحركت لينا بسرعة تفادت نصله بحركة انسيابية جانبية ودارت بنصف جسدها لتصوب ضربة مرتدة سريعة استقرت بدقة متناهية عند الفاصل الافتراضي للدرع.تراجع أليكس خطوة للخلف وارتسمت على وجهه ابتسامة إعجاب: "رائع جداً لديكِ غريزة بقاء وقدرة سريعة على التعلم الآن يمكنني القول إنكِ مستعدة لمواجهة أي مفاجأة قد تقذفها هذه الممرات في وجهنا."
انتهت الدقائق العشر كأنها ثوانٍ معدودةفجأة انطفأت الإضاءة البيضاء للممرات وتحولت بكاملها إلى لون أحمر قاني ومرعب، واشتعلت صفارات إنذار متقطعة لكنها كانت مكتومة وعميقة، مسببة ذبذبات ترتجف لها الأبدان. لقد اكتشف الحاسوب المركزي للمنشأه التلاعب الرقمي الذي قادته إيلا وبدأ نظام الدفاع الذاتي بالاستيقاظ من سباته.
"إيلا أخبرينا بالوضع فوراً ما الذي يفعله النظام؟" سأل آرثر وهو يتقدم الفريق بخطى ثابتة وعروق جناحيه الضخمين تبدأ بالتوهج بلون أزرق داكن وحارق كاشفة عن غضبه المكبوت.
"لقد قاموا بعزل القطاع الأوسط بالكامل عبر تفعيل البروتوكول الأمني المظلم" أجابت إيلا وهي تطرق على لوحة جهازها المتطور بسرعة جنونية "الرأس المدبر يغلق الأبواب الفولاذية والصفائح السميكة واحداً تلو الآخر لعزلنا لكنني تمكنت من رصد ثغرة طاقة عبر أنابيب التهوية العملاقة المقاومة للضغط الشديد.. إنها الممر الوحيد المتبقي الذي يؤدي مباشرة إلى 'القاعة الكونية' حيث تُجرى التجربة الكبرى"إذن لا مجال للتراجع أو التردد الخيار الوحيد هو التقدم للأمام" قال جيكوب بصوت عميق حمل نبرة رجوليه.
اندفع الفريق الصغير ككتلة واحدة عبر الممر الرئيسي المؤدي إلى العمق وفجأة اهتزت الجدران الخرسانية وانشقت بطريقة ميكانيكية مرعبة لتمتد منها منصات آلية سوداء تحمل قاذفات متطورة ومصممة بدقة فائقة لم تكن هذه المواجهة ضد حراس من البشر يمكن تجميد دمائهم بل كانت منظومة دفاعية ذكية ومبرمجة على إبادة أي كائن حي.
أطلقت المنظومة وابلاً متقاطعاً من المقذوفات الحرارية والمعدنية الفتاكة وفي لمح البصر تحرك آرثر بسرعه خاطفه فرد جناحيه المهيبين على وسعهما ليصنع درعاً دائرياً ضخماً من اللهب الأزرق الداكن وكان هذا اللهب شديد الحرارة لدرجة أنه كان يصهر المقذوفات ويحولها إلى رماد سائل قبل أن تلامس الأرض.
وسط هذه المعركه الحارقه استغلت لينا ثمار تدريبها الخاطف ببراعة فحين تقدم أحد حراس النخبة المعدلين جينياً من خلف الظلال مستغلاً انشغال آرثر وايلا موجهاً نصله نحو عنق إيلا لم تتردد لينا لثانية واحدة اندفعت بثبات ورفعت سيفها لتصد النصل بعنف محدثة شرارات متطايرة وبدلاً من التراجع استغلت اندفاع الحارس القوي لتغير مسار حركته بحركة دائرية التوائية ثم دفعته بكل قوتها نحو الحائط الخرساني ليتلقى صدمة عنيفة حطمت درعه بالكامل وأفقدته القدرة على الحركة.
"أحسنتِ صنعاً يا ملكتي لقد أثبتِ شجاعتكِ" همس آرثر بنبرة فخر دافئة وهو يلتفت نحو الكاميرات والمنظومة الدفاعيةوموجهاً موجة حرارية بيضاء من يده الأخرى نحو لوحة التحكم المركزية للقطاع لتتجمد الأسلاك والدوائر الإلكترونية تماماً وينطفئ الضوء الأحمر ويسود صمت ثقيل وموحش في المكان.
انفتحت البوابة الفولاذية العملاقة الأخيرة ببطء لتكشف عن قاعة مركزية شاسعة تشبه مدرجاً رومانياً أسود لكنها كانت مبنية بالكامل من الفولاذ المقوى والمشعات الكونية الضخمة التي تنبثق منها طاقةكهرومغناطيسية هائلة تجعل شعر الرأس يقف من شدة الشحن. في منتصف القاعة كانت هناك حلقة مغناطيسية عملاقة تدور بسرعة جنونية لا تصدق يتصاعد من داخلها ضوء أرجواني وبنفسجي غريب إنها البوابة الكونية التي حذر منها الملك إدغار الثقب الأسود الذي يهدد بحرق العوالم.
وعلى منصة معدنية مرتفعة تشرف على البوابة كان يقف رافين بأجنحته السوداء المشوهة التي نمت بفعل مصل المسوخ وعيناه تشعان بمكر وغل شديدين وإلى جانبه مباشرة كان يجلس وراء شاشات التحكم رجل عجوز ذو شعر رمادي كثيف يرتدي معطفاً أبيض ناصعاً يقطر بروداً وقسوة؛ إنه "البروفيسور لوهان" العقل المدبر الحقيقي للمنظمة والمصمم الأساسي لكل هذه الكوابيس البيولوجية.
"أهلاً بكم في اللحظة التي انتظرناها لسنوات لحظة التتويج والعبور" قال البروفيسور لوهان بصوت بارد ومضخم تردد عبر المكبرات الصوتية المحيطة بالقاعة كصدى الموت. "جيكوب.. كاردان.. أنتم تظنون أنكم جئتم كمحاربين لكنكم في الحقيقة لستم سوى مفاتيح جينية صُممت لفتح هذا القفل الكوني دماء الهجين التي تجري في عروقكم هي الوقود المستقر الوحيد القادر على تثبيت أبعاد هذه البوابة واستدعاء الطاقة اللانهائية من العالم الآخر وانت ارثر سوف تساعدنا كثيرا ايضاً فطاقتك هائله"
ضحك رافين بسخرية ونشر أجنحته المشوهة ليتطاير منها ريش أسود ملوث: "لقد وفرتم علينا عناء البحث والزحف وجئتم بكامل إرادتكم لتسليمنا المفاتيح الثمينة. والآن أيها الملك الهجين دعنا نرى إن كان لهبك الأزرق يستطيع الصمود أو حماية عائلتك أمام جاذبية الثقب الكوني"
بإشارة باردة من أصبع البروفيسور لوهان على لوحة القيادة أصدرت الحلقة المغناطيسية صوتاً مرعباً اهتزت له أساسات الجزيرة بالكامل. بدأت البوابة الكونية بالاتساع بسرعة مخيفة وانبثقت منها قوة جاذبية مغناطيسية وروحية مرعبة بدأت تسحب كل شيء في القاعة نحو المركز المتوهج وفجأة انطلقت خيوط وسلاسل من الطاقة البنفسجية السامة متجهة مباشرة نحو معصم جيكوب وعنق كاردان وجناحي آرثر وبدأت في استنزاف طاقتهم الحيوية مما جعل آرثر يجثو على ركبتيه مستنداً بسيفه والعرق يتصبب من وجهه بفعل ضغط الجاذبية.
نظرت لينا نحو آرثر الذي كان يصارع بكل قوته لحماية الفريق من الانجذاب نحو الثقب ورأت ملامح الألم والإنهاك ترتسم على وجهه لأول مرة شعرت بنبضات قلبها تتسارع وضعت يدهابقوة فوق الريشة الذهبية المتصلة بقلادتها القديمةوتذكرت كلمات آرثر: "إذا شعرتِ بخطر اضغطي عليها.. ستفتح لي بوابة مباشرة إليكِ، لكنها ستستنزف طاقتي.. استخدميها في اللحظة الأخيرة فقط".
أدركت لينا بكامل يقينها أن اللحظة الأخيرة قد حانت الآن وأن مصير مملكة الشمال ومصير شقيقها جيكوب وكاردان وحياة حبيبها آرثر باتت كلها معلقة على شجاعتها وثباتها في مواجهة هذا الطغيان التكنولوجي الأسود رفعت السيف بيد وقبضت على الريشة باليد الأخرى مستعدة لإطلاق القوة الكاملة التي تتمنى ان تغير مسرى المعركة.
نظرت إلي آرثر بيقين خالص لن تكون الطرف الضعيف ولن تسمح للماضي أن يسلبها عائلتها مجدداً وبكل ما أوتيت من إرادة وعزم ضغطت على الريشة.
في تلك الثواني لم تنفتح بوابة مكانية لنقلهما كما كان متوقعاً بل حدث ارتداد عكسي لم تحسب له أنظمة المختبر حساباً الريشة الذهبية المشحونه بجوهر روح آرثر لم تجد مكاناً لتنقله إليه لأنه متواجد بالفعل في نفس النقطة فبدأت في عكس تدفق الطاقة امتصت الريشة الإرادة البشرية النقية للينا وصمودها وحبها الذي لا يتزعزع وحولته إلى دفقات روحية هائلة عبر الرابط السحري مباشرة إلى قلب آرثر.
انفجرت من جسد آرثر هالة بيضاء ناصعة بددت القوة الأرجوانية للمختبر. كانت نيرانه البيضاء تستعيد وهجها الكامل ليس استمداداً من دماء العنقيين هذه المرة بل من نقاء الروح البشرية التي ساندته.
نهض آرثر واقفاً بكامل هيبته الملكية وتحطمت السلاسل المحيطة به إلى شظايا متناثرة ونتيجة لضغط الطاقة البيضاء المفاجئ تراجعت جاذبية البوابة الكونية لثوانٍ معدودة مما أتاح لجيكوب وكاردان التحرر والسقوط أرضاً بعيداً عن حافة الثقب.
"هذا غير منطقي" هتف البروفيسور لوهان بغضب وهو يضرب لوحة التحكم وعيناه تتسعان ذهولاً خلف شاشاته الرقمية"المعطيات الجينية لم تشر يوماً إلى أن الرابط الروحي مع بشرية يمكنه إعادة ضبط الترددات الحيوية للعنقيين!"
"لأن حساباتكم المظلمة لا تفهم سوى لغة الأرقام والقيود" زأر آرثر وصوته يتردد كصوت الرعد في أرجاء القاعة. التفت نحو لينا بنظرة يملؤها الفخر والامتنان ثم رفع سيفه العتيق الذي تملأه النيران البيضاء مستعداً لقيادة الهجوم المضاد.
التفت سريعاً نحو أليكس وإيلا وجيكوب موجهاً الأوامر: "أليكس، إيلا.. دمروا مشعات الطاقة الجانبية فوراً جيكوب، كاردان.. أنتما المفاتيح تماسكا معاً واكسرا الشيفرة المركزية للبوابة أما أنا..." رفع رأسه نحو الأعلى حيث كان رافين ولوهان "... سأنهي هذا التهديد تماماً.".