أملٌ من ميت
وقفَ الحصانُ أمامَ البابِ ولم يدخلْ أحد.
سمعتُ صوتَ السيّدِ وهو يصرخُ في الخارج، ثم صوتَ سياطٍ تقطعُ الهواءَ كأفعى غاضبة.
لم أعرفْ من يُضرب.
لكنّي عرفتُ أنّ شيئًا ما قد تغيّر، وأنّ الصمتَ الذي عشتُهُ ثلاثةَ أيّامٍ انتهى.
دخلَ الغرفةَ فجأةً، رائحةُ العرقِ والخمرِ والغضبِ سبقتْهُ.
لم يكلّمني.
مدَّ يدَهُ القاسيةَ فقبضَ على ذراعي كملزمةِ حديدٍ، ورفعني من الأرضِ وكأنّي لا أزنُ شيئًا.
*إيلين:*
اتركني!
أنا لستُ شيئًا تُحرّكُهُ كيفَ شئت!
*رافائيل:*
بل أنتِ كذلك.
بعقدٍ، وختمٍ، وشاهدينِ باعوكِ لي.
والآنَ ستتعلّمينَ أنَّ الكلمةَ الوحيدةَ المسموحَ بها هي: نعم، سيّدي.
دفعني أمامَهُ نحوَ البابِ.
تعثّرتُ بعصايَ فسقطَتْ من يدي، فسمعتُها تتدحرجُ على الخشبِ وتبتعدُ عنّي.
صرختُ:
*إيلين:*
عصايَ!
لا تأخذْها منّي!
*رافائيل:*
العمياءُ التي لا تطيعُ لا تحتاجُ إلى عصا.
تحتاجُ إلى من يقودُها بالسوط.
جرّني على الدرجِ الحجريِّ إلى الأسفل.
كلُّ درجةٍ تصدمُ ركبتي وكتفي، وكلُّ صدمةٍ تذكّرني أنّي لم أعُدْ في بيتِ أبي، ولا في حضنِ أمّي، ولا حتى في ذكرى إدموند.
يدُهُ الأخرى أمسكتْ بشعري لتجبرَ رأسي على الانحناء.
لم أبكِ.
البكاءُ كانَ رفاهيةً نزعَها منّي منذُ الليلةِ الأولى.
توقّفنا أمامَ شيءٍ ثقيلٍ باردٍ.
سمعتُ صريرَ الحديدِ وهو يُسحبُ ببطء، ثم رائحةُ الرطوبةِ والعفنِ والموتِ اندفعتْ في وجهي.
الهواءُ تغيّرَ فجأةً... صارَ أثقلَ وأقدمَ.
دفعني إلى الداخلِ بقوّةٍ فسقطتُ على أرضٍ باردةٍ مبلّلة.
ركبتايَ جُرِحتا، وكفّايَ تشقّقتا من احتكاكِ الحجر.
سمعتُ صوتَ القفلِ الثقيلِ وهو يُغلقُ خلفي، كأنهُ يبتلعُ آخرَ نفسٍ من العالمِ الخارجي.
*رافائيل:*
من اليومِ فصاعدًا، هذا مكانُكِ.
كلَّ يومٍ ستنزلينَ إلى هنا.
حتى تتعلّمي أنَّ الصوتَ العاليَ لا يليقُ بالعبيد.
لم أرُدَّ.
جلستُ على الأرضِ أتحسّسُ الجدرانَ بأصابعي المرتجفة.
الحجرُ باردٌ، رطبٌ، خشنٌ تحتَ أظافري.
لا نهايةَ لهُ.
والصمتُ هنا أثقلُ من صمتِ عيني.
سمعتُ خطواتِهِ تبتعدُ، ثم تعودُ.
وقفَ فوقي ولم أرهُ، لكنّي شعرتُ بظلِّ صوتِهِ يغطّي الهواءَ القليلَ الذي أتنفّسُهُ.
انحنى وأمسكني من ذراعي مرّةً أخرى، ورفعني لأقفَ على قدميَّ المرتعشتين.
أدارني نحوَ الجدارِ وضغطَ صدري عليهِ حتى شعرتُ أنّ أضلعي ستتكسر.
*رافائيل:*
آخرُ فرصة.
هل ستقولينَها؟
*إيلين:*
لن أقولَها.
حتى لو متُّ هنا.
لم ينتظرْ أكثر.
سمعتُ صوتَ السوطِ وهو يشقُّ الهواءَ قبلَ أن يلمسَ ظهري.
ضربةٌ واحدةٌ... ثم الثانية... ثم الثالثة.
كلُّ ضربةٍ كانتْ تحفرُ اسمَهُ على جلدي، وتُطفئُ اسمَ إدموندَ شيئًا فشيئًا.
صرختُ في الأولى.
تأوّهتُ في الثانية.
وفي الثالثةِ عضضتُ على شفتي حتى ذقتُ طعمَ الدمِ، وقرّرتُ أنَّ صوتي لن يكونَ لهُ متعةً مجّانية.
تركتني ركبتايَ فسقطتُ على الأرضِ مرّةً أخرى.
وقفَ فوقي يلتقطُ أنفاسَهُ:
*رافائيل:*
غدًا ستكونُ الضرباتُ أكثر.
وبعدَ غدٍ أكثر.
حتى تنطقينَ، أو تموتينَ صامتةً.
كلاهما يناسبني.
سمعتُ صوتَ القفلِ مرّةً أخرى وهو يُغلقُ وتركني.
الظلامُ عادَ، والألمُ انتشرَ في ظهري كالنارِ الباردة.
لم أستطعِ الجلوسَ ولا الاستلقاء.
فقطّعتُ أنفاسي لأمنعَ نفسي من البكاء.
مددتُ يدي أتحسّسُ الأرضَ، فلمستُ شيئًا صغيرًا ناعمًا.
الخيطُ الأحمر.
سقطَ من جيبي أثناءَ الجرِّ ولم يرهُ.
قبضتُ عليهِ بقوّةٍ حتى دخلَ في لحمِ كفّي.
همستُ لنفسي بصوتٍ لا يسمعُهُ إلا الحجر:
*إيلين:*
لن أموتَ هنا.
سأهربُ.
حتى لو فشلتُ ألفَ مرّةٍ، ومئةَ جلدةٍ، وعشرينَ قبوًا.
ما دامَ هذا الخيطُ بيدي، فميرا لم تتركني.
وما دمتُ أتنفّس، فإدموندَ لم يمُتْ في ذاكرتي.
سمعتُ صوتَ القفلِ للمرّةِ الثانية.
ومرّةٌ ثانيةٌ... بقيتُ أنا مع الظلامِ والألمِ والوعد.
ومنهُ... وُلدَ أملٌ من ميت.
نهاية الجزء الأول: «Of Love and Losse»