البيتُ بلا نوافذ
مرّت ثلاثةُ أيّامٍ ولم أرَ الشمس.
ليسَ لأنّها غابتْ، بل لأنّ هذا البيتَ بلا نوافذَ تطلُّ على شيءٍ غيرِ الظلام.
سمعتُ الخدمَ يسمّونه "السيّد".
لم ينادِني باسمي مرّةً واحدة.
"أنتِ"..."البنتُ"... "العمياء".
كأنّي فقدتُ اسمي مع بصري.
الطعامُ يأتيني باردًا، والماءُ قليلٌ.
وكلّما حاولتُ المشيَ وحدي، جاءَ صوتُهُ من مكانٍ لا أراه:
*رافائيل:*
إلى أينَ تذهبين؟
أليسَ هذا البيتُ كافيًا لكِ؟
*إيلين:*
كافيًا لمن لا يملكُ غيرَهُ.
ضحكَ ضحكةً قصيرةً ثقيلة.
كرهتُها أكثرَ من ضربِهِ لو ضربني.
في الليلةِ الرابعةِ، لم ينمْ.
جلستُ في زاويةِ الغرفةِ أحضنُ الخيطَ الأحمرَ وأستمعُ لخطواتِهِ وهي تدورُ حولي كذئبٍ يدورُ حولَ فريسةٍ لا تقوى على الهرب.
*رافائيل:*
يقولونَ أنّكِ أحببتِ جنديًا هاربًا.
هل هذا صحيح؟
صمتُّ.
فالجوابُ لا يغيّرُ شيئًا، والسكوتُ لا يحمي شيئًا.
*رفائيل:*
لا بأس.
الحبُّ مرضٌ يزولُ مع الوقتِ والضربِ.
ستنسينَهُ.
تجمّدَ الدمُ في عروقي.
ليسَ لأنّهُ هدّدني، بل لأنّهُ قالَها بثقةِ من جرّبَ أن يكسرَ قلوبَ النساءِ قبلي.
وفي منتصفِ الليلِ، سمعتُ صوتًا آخر.
صوتُ امرأةٍ عجوزٍ تهمسُ عندَ الباب:
*المرأة:*
لا تخافي يا بنيّتي.
أنا خادمةُ هذا البيتِ منذُ عشرينَ سنة.
كلُّ من دخلَتْ هنا بكتْ، ثم سكتَتْ، ثم ماتتْ حيّة.
*إيلين:*
وأنتِ... لمَ لمْ تموتي؟
*الخادمة:*
لأنّي نسيتُ أنّ لي قلبًا.
إيّاكِ أن تنسي أنتِ.
تركتْ عندَ البابِ كسرةَ خبزٍ وكوزَ ماءٍ وخرجَتْ.
لم أسألْها عن البابِ، ولا عن المفتاح.
فعرفتُ من صوتِها أنّها جرّبَتْ قبلي وفشلَت.
جلستُ الليلَ كلَّهُ أفكّر.
أبي باعني.
إدموندَ فقدتُهُ.
وسيلفيا... حتّى سيلفيا لم تذكرني بكلمة.
لم يبقَ لي غيرُ خيطٍ أحمرَ وذكرى صوتٍ يقولُ: _"لا تخافي يا إيلين، أنا معكِ"_.
والمشكلةُ أنّي لا أدري أيُّهما أصدق: الخيطُ أم الصوت؟
وفي الفجرِ، سمعتُ صوتَ حصانٍ يقفُ عندَ البابِ الخارجي.
صوتٌ غريبٌ... ليسَ صوتَ رجالِ السيّد.
قلبي خفقَ خفقةً كدتُ أسقطُ لها.
هل جاءَ من يأخذني؟
أم جاءَ من يأخذُني أكثرَ إلى الداخل؟
لم أعرفْ.
لكنّي عرفتُ أنّ هذهِ الليلةَ... لن تمرَّ كسابقاتِها.