العقدُ الذي لا يُفك
جاءَ الفجرُ ثقيلًا كالحكم.
لم أذقْ نومًا، ولم أبكِ.
فالدمعُ يجفُّ إذا كثُرَ ما يُبكى عليه.
طرقَ البابَ رجلانِ لم أعرفْ صوتَهُما.
رائحةُ الخيلِ والجلدِ دخلتْ معهما قبلَ أن يدخلا.
*جورج:*
قومي يا إيلين.
موعدُكِ قد حان.
لم أردَّ.
مددتُ يدي فلمستُ عصايَ، ونهضتُ.
لو قاومْت، لضربني أبي.
ولو صرختُ، لما سمعني أحدٌ غيرُ جدرانِ هذا البيتِ الذي ما كان يومًا ملاذي.
ألبستْني أمّي ثوبًا أبيضَ بيدينِ مرتعشتين.
كانت تهمسُ بالدعاءِ وأنا لا أردُّ.
فالدعاءُ لا يغيّرُ عقدًا كُتبَ في غيابي.
*ميرا:*
أختي... خذي هذه.
وضعتْ في كفّي خيطًا صغيرًا من صوفٍ أحمر.
كان مجرد خيط خطناه أنا و هي في حقل التفاح منذ زمن.
قالت:
*ميرا:*
كلّما اشتقْتِ إلينا، المسِي الخيطَ وتذكّري أننا هنا.
قبضتُ على الخيطِ حتى أوجعَني.
هذا كلُّ ما أملكُ من البيتِ الآن.
ساروا بي إلى خارجِ القريةِ حيثُ تنتظرُ عربةٌ خشبيّةٌ مغطّاة.
لم أسمعْ صوتَ المهرِ، لكنّي شعرتُ بحركةِ الأرضِ تحتَ العجلاتِ حينَ تحرّكتْ بنا.
الصمتُ كان رفيقي طوالَ الطريق.
الرجلانِ لا يتكلّمان.
وأنا لا أملكُ سؤالًا أطرحُهُ.
مرّتْ ساعاتٌ لا أدري عددَها.
الشمسُ ارتفعتْ ثم مالَتْ.
الريحُ تغيّرتْ رائحَتُها من رائحةِ الترابِ إلى رائحةِ البحرِ البعيد.
توقّفتِ العربةُ أخيرًا.
فتحَ أحدُ الرجلينِ البابَ وقالَ بلهجةٍ جافّة:
*الرجل:*
انزلي.
وصلنا.
أنزلوني بيدٍ خشنةٍ لا تعرفُ الرفقَ.
وقفْتُ على أرضٍ مجهولةٍ، أستمعُ إلى صمتٍ أثقلَ من صمتِ قريتي.
ثم سمعتُ صوتًا.
صوتُ رجلٍ عجوزٍ، مبحوحٌ من كثرةِ الأوامرِ والخمرِ:
*الصوت:*
إذنْ هذهِ هيَ العمياءُ التي دفعتُ فيها مالًا كثيرًا؟
اقتربي لأسمعَ صوتَكِ.
تقدّمتُ خطوةً أتوكأُ على عصايَ.
قلبي يضربُ صدري كطيرٍ محبوس.
لم أرَ وجهَهُ، لكنّي رأيتُ ظلَّهُ في صوتِهِ.
ظلُّ رجلٍ اعتادَ أن يأخذَ ما يريدُ دونَ أن يُسأل.
*الصوت:*
اسمُكِ إيلين، أليسَ كذلك؟
من اليومِ أنتِ لي.
لا صوتَ لكِ إلا بإذني، ولا خطوةَ إلا بأمري.
أردتُ أن أقولَ له: "أنا لستُ شيئًا يُشترى".
لكنّ الكلمةَ وقفتْ في حلقي.
فما فائدةُ الكلامِ أمامَ عقدٍ كُتبَ وأُشهدَ عليهِ الجميعُ وأنا آخرُ من يعلم؟
وضعتُ يدي على الخيطِ الأحمرِ في جيبي.
ميرا قالت: "تذكّري أننا هنا".
لكنّ "هنا" صارتْ بعيدةً جدًا.
أدخلوني إلى بيتٍ كبيرٍ باردٍ، رائحَتُهُ الغبارُ والخشبُ القديم.
أغلقَ البابُ خلفي بصوتٍ قاسٍ.
وفهمتُ حينها:
الهروبُ من إدموندَ كان موتًا.
والهروبُ إلى هذا البيتِ موتٌ آخر.
لكنّ الموتَ الأوّلَ كان سريعًا.
أمّا هذا... فبطيءٌ كالعقدِ الذي لا يُفك.