دقات طبول الحرب
القرية كلها كانت تتكلم بصوت واحد تلك الصباح.
صوت الخوف.
سمعت الهمسات من خلف الأبواب المغلقة، من خلف الجدران، من فوق الأسطح.
"جندي هارب... خيانة... إعدام في الساحة..."
الكلمات تضرب أذني واحدة وراء الأخرى، ولا أقدر أن أوقفها.
أبي لم يقل شيئًا.
جلس صامتًا طوال الفطور، يضغط على كأس الشراب الفارغ حتى ظننت أنه سينكسر.
أما أنا، فلم أستطع أن آكل.
كل لقمة كانت تقف في حلقي كالحجر.
في الظهر، سمعت طبول الحرب.
دقات بطيئة، ثقيلة، كأنها تدق على قلبي مباشرة.
الناس كانوا يتجمعون في الساحة.
وأنا... جرّني الفضول والخوف معًا.
وقفت في طرف الساحة، بين الناس، أتنفس رائحة التراب المبلل بالعرق.
وسمعت صوته قبل أن أراه.
صوت القيود وهي تُجر على الحجارة.
صوت أنفاسه المتقطعة، أثقل مما كانت عليه عند الشجرة.
*القائد:*
أيها الناس! هذا الرجل خان الملك، هرب من المعركة، ورفض تنفيذ الأوامر!
حكمه: الإعدام شنقًا عند الغروب!
همة غاضبة وخائفة مرّت بين الناس.
وأنا شعرت أن الأرض تميل تحتي.
*إدموند:*
لم أخن أحدًا! رفضت أن أقتل أطفالًا أبرياء!
لو كان هذا خيانة، فأنا أفتخر بها!
صوته لم يكن ضعيفًا.
كان فيه شيء يشبه النار التي حاولت أن أطفئها فيه ليلتين.
لكن صوت القيود كان أقوى.
سحبوه إلى المنصة، وربطوا الحبل حول رقبته.
تجمّد الدم في عروقي.
أردت أن أصرخ، أن أركض، أن أفعل أي شيء.
لكن قدميّ كانتا كالصخر.
*إيلين:*
لا... لا تفعلوا!
صوتي ضاع وسط صراخ الناس.
لم يسمعني أحد.
أو ربما سمعوني وتجاهلوني.
الفتاة العمياء لا قيمة لصوتها هنا.
سمعت القائد يرفع يده.
سمعت الحبل يشدّ.
وسمعت صوت إدموند الأخير:
*إدموند:*
إن متُّ، فاذكري أنني لم أندم... إلا لأنني لم أعرفكِ أكثر يا إيلين.
اسمي على لسانه كان كالسكين.
وأغمضت عينيّ، رغم أنني لا أملك ما أغمضه.
لكن قبل أن يسقط الجسد، سمعت صوتًا آخر.
صوت احتكاك، صوت جري، صوت صراخ مفاجئ.
ضوضاء.
فوضى.
*رجل من الحشد:*
هرب! قطع الحبل وهرب!
فتحت فمي لأتنفس، وكأنني أنا من كنت أختنق.
سمعت خطى سريعة تبتعد، وصراخ الجنود يلاحقها.
"أمسكوه! لا تدعوه يهرب!"
ركضت بلا تفكير.
ركضت عكس الناس، نحو الحقل، نحو الشجرة الكبيرة.
لا أعرف كيف لم أسقط. لا أعرف كيف وجدت الطريق.
كل ما أعرفه أنني يجب أن أصل قبله أو معه.
وعند الشجرة، سمعته.
أنفاسه المتقطعة، أقرب وأثقل.
رائحة الدم والعرق.
*إدموند:*
إيلين؟
*إيلين:*
أنا هنا.
لم أسأله كيف نجا. لم أسأله عن الألم.
مددت يدي، فوجدت يده ترتجف بين يديّ، باردة، مبللة بالدم.
*إيلين:*
يجب أن نهرب. الآن.
لن يتركوك. سيحرقون القرية كلها لو لم يجدوك.
*إدموند:*
وإلى أين؟
الجنود في كل مكان.
*إيلين:*
إلى المدينة.
أعرف طريقًا قديمًا عبر الغابة. لا يسلكه أحد.
أمي كانت تأخذني منه عندما كنت صغيرة.
صمت لحظة.
ثم أحسست بإيماءة رأسه.
*إدموند:*
قوديني يا إيلين.
إن كان هناك مكانٌ أستطيع أن أهرب إليه، فهو معك.
أمسكت بيده.
كان بيده جرحًا مفتوحًا، لكنه تشبث بي كأنني طوق النجاة الأخير.
وبدأنا نركض.
خلفنا دقات طبول الحرب، وأمامنا صمت الغابة.
وبيننا، وعدٌ لم يُقال بعد.