افرمور Ever more الجزء الأول: Of Love and Losse - أنينٌ مؤنس - بقلم حاجة نور - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: افرمور Ever more الجزء الأول: Of Love and Losse
المؤلف / الكاتب: حاجة نور
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: أنينٌ مؤنس

أنينٌ مؤنس

كانَ الليلُ ثقيلًا على حقلِ التفاحِ. الريحُ تسكنُ، والسماءُ ملبّدةٌ بالغيومِ فلا نجمَ يلوحُ، ولا قمرَ يضيءُ. خرجتُ كعادتي بعدَ العشاءِ أتحسّسُ طريقي بعصايَ نحوَ الشجرةِ الكبيرةِ، هناكَ أجلسُ وحدي، أستمعُ لصوتِ الليلِ وأنسى صوتَ أبي. ما إن وصلتُ إلى جذعِ الشجرةِ حتى سمعتُها. أنّةٌ مكتومةٌ، كأنّها تخرجُ من صدرٍ مثقلٍ بالوجعِ، إنها نفسها التي سمعتها قبل قليل، كنتُ أظن أنني أتوهم، تجمّدتُ مكاني. قلبي يخفقُ بقوّةٍ حتى ظننتُ أنّهُ سيفضحُني. "من هنا؟" همستُ، وصوتي مرتجفٌ كغصنٍ في عاصفة. لا جواب. فقط صمتٌ، ثم أنّةٌ أخرى أقربُ هذهِ المرّة. تقدّمتُ ببطءٍ، أتحسّسُ الأرضَ بعصايَ، حتى اصطدمتْ يدي بشيءٍ دافئٍ رطبٍ. جسدُ رجلٍ ممدّدٍ على الترابِ، ملابسُهُ ممزّقةٌ، ورائحةُ الدمِ والعرقِ تملأُ المكان. تراجعتُ خطوةً، لكنّ الفضولَ والخوفَ شدّاني إليه. جلستُ القرفصاءَ قربه، وقلتُ بصوتٍ خافتٍ: "هل أنتَ حيّ؟" سمعتُ زفيرًا متقطّعًا، ثمّ كلمةً واحدةً بالكادِ فهمتُها: "ماء..." ركضتُ بيدي أتحسّسُ قربَ الشجرةِ حيثُ أخبّئُ قارورةَ الماءِ الصغيرةَ التي آخذُها معي دائمًا. قرّبتُها من شفتيهِ، فشربَ بشراهةٍ كأنّهُ لم يذقِ الماءَ منذُ أيّام. يداهُ ترتجفانِ، وجسدُهُ يرتعدُ من البردِ والوجعِ. "من أنتَ؟" سألتُ. قالَ بصوتٍ متقطّعٍ. "... جنديٌّ هارب." الكلمةُ وقعتْ عليَّ كالصاعقة. جنديٌّ هاربُ يعني الموتَ إن وجدَهُ الجنود. يعني أنَّ القريةَ كلَّها ستُعاقبُ إن أخفيتُهُ. كانَ عليَّ أن أصرخَ، أن أركضَ إلى أبي، أن أسلّمَهُ. لكنّي لم أفعل. شيءٌ في صوتِهِ المكسورِ، في أنينِهِ الذي يشبهُ أنيني في الليالي الطويلةِ، منعني. جلستُ بجانبِهِ، ومزّقتُ طرفَ ثوبي لأربطَ جرحَ ساقِهِ المفتوحِ. "لماذا هربتَ؟" سألتُ وأنا أعملُ بيديَّ المرتجفتين. "لأنّي رفضتُ أن أقتلَ أطفالًا." قالَها وكأنّهُ يعترفُ بذنبٍ عظيم. صمتُّ. أنا التي لا ترى، فهمتُ معنى كلامِهِ أكثرَ من كثيرينَ يبصرون. "أنتَ هنا أكثر أمناً." قلتُ له. "لكنَّ الفجرَ قريبٌ. يجبُ أن أذهبَ قبلَ أن يفتقدني أبي." أمسكَ بيدي فجأةً. يدُهُ باردةٌ، خشنةٌ، لكنّها لا ترتجفُ. "شكرًا..." قالَها، وفي صوتِهِ شيءٌ لم أسمعْهُ من أحدٍ من قبل. ليسَ شفقةً، ولا سخريةً. .. بل امتنانٌ خالصٌ، كأنّهُ رأى فيَّ إنسانةً لا ناقصةً. تركتُ يدَهُ ووقفتُ. "سأعودُ غدًا." وعدتُّهُ، ولا أدري لماذا وعدتُ. هو لم يقلْ اسمهُ، وأنا لم أسألْ. كأنّ الاسمَ في هذهِ اللحظةِ لا يهمّ. ما يهمّ هوَ أنّ هناكَ من يتكلّمُ معي دونَ أن يرى عينيَّ العمياوينِ فيخافَ أو يسخرَ. عدتُ إلى البيتِ وخطواتي خفيفةٌ لأوّلِ مرّةٍ منذُ سنوات. في صدري شيءٌ جديدٌ... شيءٌ يشبهُ الدفءَ. فتحتُ البابَ بهدوءٍ، فوجدتُ أبي جالسًا على كرسيّهِ قربَ المدفأةِ، عيناهُ نصفُ مغمضتينِ، وكأسُ الشرابِ الفارغِ في يدِهِ. "أينَ كنتِ؟" سألَ دونَ أن ينظرَ إليَّ. "عندَ الشجرةِ الكبيرةِ." أجبتُ بصدقٍ، لأنّ الكذبَ يتعبُني أكثرَ من الحقيقةِ. "لا تتأخّري مرّةً أخرى." قالَها بمللٍ، ثمّ عادَ إلى صمتِهِ. دخلتُ غرفتي وأغلقتُ البابَ خلفي. جلستُ على سريري وأنا أضغطُ على صدري. صوتُ أنينِهِ لا يزالُ يتردّدُ في أذني. هوَ لا يعرفُ أنّي عمياءُ، ومع ذلكَ لم يسألْ. لم يقلْ "مسكينةٌ" ولا "كيفَ تعيشينَ هكذا؟". عاملَني كأنّي سليمةٌ. وهذا وحدهُ يكفي ليجعلَني أعودُ غدًا، حتى لو كانَ الثمنُ غضبَ أبي. في الخارجِ، كانتِ الريحُ قد هدأت. وفي حقلِ التفاحِ، بقيَ هو وحدهُ مع ألمِهِ، ومعي أنا... معَ أنينٍ لم يعدْ مزعجًا. بل صارَ مؤنسًا.