الفصل الرابع
بعد السقوط
في تلك الليلة لم أنم.
بقيت جالسًا على طرف السرير والهاتف بيدي، أعيد قراءة الرسائل القديمة بيني وبين مريم وكأنني أبحث عن اللحظة التي بدأت فيها بخيانتي.
الإنسان بعد الصدمة يتحول إلى محقق غبي…
يفتش داخل الذكريات عن دليل متأخر لن يغيّر شيئًا.
كنت أقرأ كلامها القديم:
“ما تتغير علي يا أحمد.”
“أنت أكثر شخص مطمئنة له.”
“أحس إنك الأمان.”
وأضحك بمرارة.
لأن الأمان كان ينهار أمامها منذ وقت طويل وهي تعرف.
في الثالثة فجراً تقريبًا، وصلتني رسالة منها.
“لا تسمع لأي زول قبل ما تسمع مني.”
حدقت في الشاشة طويلًا.
كنت أريد أن أكرهها فورًا…
لكن المشكلة أنني كنت ما أزال أحبها.
وهذه كانت أكثر حقيقة مذلة في حياتي.
لم أرد على الرسالة.
وضعت الهاتف جانبًا، ثم أسندت رأسي إلى الحائط وأغمضت عيني محاولًا إيقاف ذلك الضجيج داخل رأسي.
لكن الصور لم تتوقف.
مريم وهي تضحك معه.
صالح وهو ينظر إليها.
وسمر وهي تدخل بيننا بهدوء طوال الشهور الماضية.
كل شيء أصبح واضحًا الآن.
وفي الصباح، خرجت من البيت دون أن أخبر أحدًا.
لم أكن أحتمل الجلوس وسط الناس، ولا سماع أي صوت يشبه الشفقة.
مشيت لساعات طويلة داخل الحي.
نفس الشوارع التي كنت أمشي فيها وأنا سعيد معها… أصبحت تضيق عليّ بشكل غريب.
حتى الأماكن تغيّرت.
المقهى الذي كنا نجلس قربه صار يزعجني، والطريق الذي كانت تمر منه كل مساء أصبح يشبه فخًا للذكريات.
كنت أشعر أن الحي كله يعرف ما حدث… حتى لو لم يكن أحد يعلم شيئًا بعد.
وفي المساء، جاء صالح إلى البيت.
عندما أخبرتني أمي أنه بالخارج، شعرت بغضب جعل صدري يؤلمني.
خرجت إليه.
كان واقفًا عند الباب وكأنه شخص جاء ليعتذر عن خطأ بسيط.
نظر إليّ طويلًا ثم قال: — “ممكن نتكلم؟”
ضحكت بسخرية.
— “بعد شنو؟”
خفض رأسه قليلًا وقال: — “أحمد… الموضوع ما حصل بالطريقة دي.”
اقتربت منه خطوة.
لأول مرة في حياتي، كنت أشعر أنني لا أعرف الشخص الواقف أمامي.
هذا ليس صالح الذي كبرت معه.
ليس الشخص الذي كنت أعتبره أخًا.
قلت بصوت بارد: — “إنت من متين بتحبها؟”
رفع عينيه نحوي ولم يجب مباشرة.
وهذا وحده كان جوابًا كافيًا.
ثم قال أخيرًا: — “ما كنت قاصد الحكاية تحصل كدا.”
شعرت بشيء يشتعل داخلي.
— “لكنها حصلت.”
ساد الصمت بيننا للحظات ثقيلة.
ثم قال: — “هي كانت تشتكي منك كتير.”
تلك الجملة ضربتني أكثر من أي شيء.
ليس لأنها تبرر له…
بل لأنها جعلتني أتخيل كل لحظة كانت تتحدث فيها عني معه بينما كنت أظنه صديقي.
قلت بغضب: — “وأنت كنت تسمع؟”
نظر بعيدًا وقال بصوت منخفض: — “كنت بحاول أقرب منها بس…”
لم أسمعه يكمل.
دفعتُه بقوة لأول مرة في حياتي.
ليس لأنني أردت ضربه…
بل لأنني لم أعد أحتمل رؤيته.
— “أطلع من هنا.”
نظر إليّ للحظات وكأنه يريد قول شيء، ثم غادر بصمت.
وبمجرد أن اختفى من أمام الباب… شعرت بفراغ مرعب.
أحيانًا بعد الغضب، لا يبقى إلا الانهيار.
عدت إلى غرفتي وأغلقت الباب، ثم جلست على الأرض كأن قدميّ لم تعودا تحملانني.
وفي تلك الليلة، أدركت شيئًا خطيرًا:
الخيانة لا تسرق الشخص الذي تحبه فقط…
بل تسرق النسخة التي كنتها قبلها.
ومنذ ذلك اليوم…
بدأ أحمد القديم يختفي ببطء.