انا الخائن - الفصل الثالث - بقلم إبراهيم موسى | روايتك

اسم الرواية: انا الخائن
المؤلف / الكاتب: إبراهيم موسى
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثالث

الفصل الثالث

الطعنة الأولى في الأيام التي تلت تلك الليلة، بدأت أشعر أن شيئًا ما ينطفئ بيني وبين مريم ببطء. لم يكن تغييرًا واضحًا في البداية، بل أشياء صغيرة جدًا لا ينتبه لها أحد غير الشخص الذي يحب بصدق. ردودها أصبحت متأخرة. ضحكتها أقل. واختفت تلك اللهفة التي كانت تجعلها تخبرني عن تفاصيل يومها دون أن أسأل. في البداية أقنعت نفسي أنني أتوهم. الحب يجعل الإنسان يختلق الأعذار للشخص الذي يخاف خسارته. كنت أقول لنفسي: “أكيد مضغوطة بالدراسة.” “يمكن عندها مشاكل في البيت.” “يمكن أنا أبالغ فقط.” لكن قلبي كان يشعر بالحقيقة قبل عقلي. وفي كل مرة كنت أحاول الحديث معها عن الموضوع، كانت تتهرب بهدوء. — “إنت بتفكر زيادة يا أحمد.” جملة بسيطة… لكنها كانت كافية لتجعلني أشك حتى في مشاعري. وفي وسط كل هذا، كان صالح قريبًا مني أكثر من أي وقت. يجلس معي يوميًا، يسمعني وأنا أشتكي، ويعطيني نصائح وكأنه الشخص الوحيد الذي يفهمني. والمثير للسخرية… أنني كنت ممتنًا له. كنت أحكي له كل شيء دون أن أخفي شيئًا. عن خوفي. عن غيرتي. عن شعوري بأن مريم تبتعد عني. وصالح كان دائمًا يهز رأسه بهدوء ويقول: — “البنات مزاجهن متعب… لا تشغل بالك.” لكن هناك شيء في نظراته بدأ يزعجني. شيء بارد… خفي… كأنه ينتظر انهياري بصبر. وفي إحدى الليالي، كنت أتحدث مع مريم عبر الهاتف. المكالمة كانت صامتة أكثر مما هي حديث. سمعت صوت أنفاسها فقط، بينما كنت أحاول إيجاد أي كلام يمنع هذا البعد الذي يكبر بيننا. ثم قالت فجأة: — “أحمد… إنت بقيت متعب.” تجمدت للحظة. — “متعب كيف؟” تنهدت بصوت خافت: — “بقيت تخاف من كل حاجة… حتى مني.” لأنني كنت أخاف فعلًا. كنت أشعر أنها تبتعد مني كل يوم، وأنا عاجز عن الإمساك بها. لكنني كنت أجهل السبب الحقيقي. قلت لها بصوت حاولت أن أجعله طبيعيًا: — “يمكن لأني بحبك زيادة.” لكنها لم ترد بسرعة كعادتها. ذلك الصمت أخافني أكثر من أي كلمة. بعد أن أغلقت المكالمة، بقيت أحدق في سقف الغرفة لساعات طويلة. شيء داخلي كان يخبرني أن النهاية تقترب، لكنني كنت ضعيفًا جدًا أمام فكرة خسارتها. في صباح اليوم التالي خرجت من البيت مبكرًا. لم أكن أريد الجلوس وحدي، لأن الوحدة تجعل الأفكار تتحول إلى وحوش. كنت أمشي بلا هدف داخل السوق القديم، أراقب الناس وهم يعيشون حياتهم بشكل طبيعي، بينما أشعر أن شيئًا في داخلي ينهار ببطء. ثم رأيتها. كانت تقف قرب محل صغير في آخر الشارع. ومعها… صالح. في البداية لم أفهم ما أراه. عقلي رفض الصورة للحظات، كأنها مشهد لا يخصني. كانا قريبين من بعضهما بشكل غريب. ليس قرب الحبيبين تمامًا… لكنه أيضًا لم يكن قرب شخصين عاديين. وصالح كان يضحك. نفس الضحكة التي كان يضحكها معي دائمًا. أما مريم… فكانت تنظر إليه براحة أعرفها جيدًا. راحة الشخص الذي يشعر بالأمان. شعرت بشيء بارد ينزل داخل صدري. وقفت بعيدًا أراقبهما دون حركة. لم أذهب نحوهما. ولم أنادِ اسمها. فقط كنت أنظر. كأنني أشاهد شخصين يسرقان حياتي أمام عيني بهدوء. ثم حدث الشيء الذي كسرني فعلًا. ضحكت مريم. تلك الضحكة الصغيرة التي كانت يومًا تجعل يومي كاملًا أفضل. ضحكتها معه… شعرت وكأنها صفعة. في تلك اللحظة بدأت أفهم أشياء كثيرة دفعة واحدة. فهمت لماذا أصبحت سمر قريبة منها فجأة. وفهمت لماذا كان صالح يسألني دائمًا عن علاقتي بها بتلك الطريقة الغريبة. وفهمت سبب ذلك البرود الذي دخل قلبها نحوي. كل شيء كان يحدث أمامي منذ فترة… وأنا الوحيد الذي لم ينتبه. أكثر شيء قتلني لم يكن رؤية مريم مع صالح. بل فكرة أنني أنا من أدخله إلى علاقتنا. أنا من حكى له عن تفاصيلها كلها. عن نقاط ضعفها. عن الأشياء التي تحبها وتكرهها. عن خوفها… وعن طريقتها في التفكير. كنت أقدّم له مفاتيحها بيدي… ثم استغربت عندما فتح الباب. لا أتذكر كيف عدت إلى البيت. كل ما أتذكره أنني دخلت غرفتي وأغلقت الباب بالمفتاح وجلست على الأرض لساعات طويلة. الهاتف بجانبي يضيء برسائل منها. لكنني لم أملك الشجاعة لفتح أي شيء. كنت أشعر بإهانة لم أعرفها من قبل. إحساس قاسٍ جدًا… أن الشخص الذي كنت تعتبره أخاك، كان يستمع لك فقط ليعرف كيف يأخذ منك الشيء الوحيد الذي أحببته بصدق. وفي الليل، رن هاتفي. صالح. ظللت أحدق في اسمه طويلًا قبل أن أجيب. — “وينك يا زول؟ اختفيت.” كان صوته طبيعيًا بشكل استفزني. وكأن شيئًا لم يحدث. سألته مباشرة دون مقدمات: — “كنت مع مريم اليوم؟” ساد الصمت. صمت قصير جدًا… لكنه كان كافيًا ليؤكد كل شيء. ثم قال بهدوء متوتر: — “أحمد… الموضوع ما زي ما إنت فاهم.” ضحكت. ليست ضحكة حقيقية… بل تلك الضحكة التي تخرج من الإنسان عندما يتلقى ألمًا أكبر من قدرته على الاستيعاب. ثم قلت بصوت خافت: — “طيب فهمني.” لكنه لم يجد شيئًا يقوله. وفي تلك اللحظة تحديدًا… شعرت أن شيئًا بداخلي مات إلى الأبد.