الفصل الثاني
بداية السقوط
بعد تلك الليلة، أصبحت سمر قريبة من مريم بشكلٍ مفاجئ.
في البداية لم أهتم كثيرًا، بل كنت سعيدًا بذلك.
كنت أرى الأمر طبيعيًا،
فتاتان من نفس الحي، وفي نفس العمر تقريبًا، ومن السهل أن تصبحا صديقتين بسرعة.
لكن الشيء الذي لم ألاحظه وقتها…
أن صالح كان يراقب كل شيء بصمت.
في كل مرة أتحدث فيها عن مريم أمامه، كان يبتسم تلك الابتسامة الباردة التي لم أفهمها إلا متأخرًا.
كنت أحكي بحماس، وهو يستمع وكأنه ينتظر شيئًا.
أحيانًا كان يسألني أسئلة غريبة:
— “لو في يوم مريم تغيّرت عليك… بتعمل شنو؟”
كنت أضحك دائمًا وأقول بثقة: — “مريم مستحيل تعملها.”
وكنت أصدق ذلك فعلًا.
مرت الأيام، وأصبحت علاقتي بمريم أعمق من مجرد إعجاب عابر.
بدأت أتعلق بها بطريقة أخافتني أحيانًا.
صوتها صار جزءًا من يومي.
رسائلها آخر شيء أراه قبل النوم.
ووجودها وحده كان كافيًا ليجعل يومًا سيئًا يبدو أخف.
لكن بالتدريج… بدأت ألاحظ تغيّرًا صغيرًا فيها.
لم يعد حديثها كما كان.
الردود أصبحت أقصر، والاهتمام أقل، وحتى ضحكتها معي صارت تبدو متعبة.
في البداية أقنعت نفسي أنها مجرد ظروف.
الدراسة… مشاكل البيت… أي شيء.
الحب يجعل الإنسان أعمى بإرادته.
وفي إحدى الليالي، كنت أجلس مع صالح في آخر الشارع كعادتنا، فقلت له: — “حاسس مريم اتغيرت شوية.”
خفض رأسه قليلًا وكأنه يفكر، ثم قال بهدوء: — “يمكن لأنها بدأت تشوف أشياء فيك ما كانت منتبهة ليها.”
ضحكت وقتها وقلت: — “زي شنو يعني؟”
رفع كتفيه بلا مبالاة: — “ما بعرف… البنات بتتغير بسرعة.”
كانت جملة عادية جدًا…
لكنها بقيت تدور في رأسي طوال الليل.
بعدها بأيام، بدأت المشاكل بيني وبين مريم تظهر لأول مرة.
أشياء صغيرة جدًا تتحول إلى نقاشات طويلة.
سوء فهم تافه يصبح سببًا للصمت يومين أو ثلاثة.
وأغرب شيء…
أن سمر كانت دائمًا موجودة بطريقة غير مباشرة.
تارةً تنقل كلامًا،
وتارةً تخبر مريم بأشياء تجعلها تغضب مني،
وأحيانًا تجعلني أشعر أنني مقصر دون أن أفهم السبب.
لكنني كنت غبيًا بما يكفي لأظن أن كل هذا يحدث وحده.
في تلك الفترة، بدأ صالح يقترب من مريم أكثر.
ليس بشكل واضح…
بل بالطريقة التي لا تلفت الانتباه.
يسأل عنها أمامي،
يمزح معها عندما نلتقي،
ويتصرف وكأنه مجرد صديق عادي.
وأنا… كنت مطمئنًا بشكل أحمق.
لأن الإنسان لا يتوقع الطعنة من اليد التي يثق بها.
أتذكر يومًا اتصلت بمريم أكثر من مرة ولم ترد.
بقيت أحدق في الهاتف لساعات وكأنني أنتظر معجزة صغيرة.
ثم رأيتها بعد ساعات “متصلة الآن”.
لكنها لم تكتب شيئًا.
ذلك الشعور كان جديدًا عليّ…
شعور أن الشخص الذي تحبه بدأ يبتعد منك ببطء، وأنت عاجز عن إيقافه.
وفي اليوم التالي، خرجت لأقابل صالح.
وجدته جالسًا كعادته، هادئًا بشكل أثار أعصابي دون سبب.
جلست بجانبه وقلت بضيق: — “حاسس في حاجة غلط.”
نظر إلي للحظات ثم قال: — “يمكن لأنك بتحبها زيادة عن اللزوم.”
كانت أول مرة أشعر فيها بالخوف الحقيقي.
ليس الخوف من خسارة مريم فقط…
بل الخوف من أن يتحول الحب نفسه إلى نقطة ضعف يمكن أن تهدمني بالكامل.