الفصل الأول
“كل شخص يؤذي غيره…
يبدأ الحكاية دائمًا بجملة:
أنا لم أكن هكذا.”
لم أولد خائنًا.
ولم أكبر وأنا أبحث عن كسر القلوب أو اللعب بالمشاعر كما يظن البعض الآن.
في الحقيقة… كنت أخاف من أن أُكسر أكثر مما أخاف من أي شيء آخر.
اسمي أحمد.
شاب من حيّ شعبي قديم، البيوت فيه متلاصقة كأنها تحفظ أسرار بعضها، والناس يعرفون أخبارك قبل أن تعرفها أنت أحيانًا.
في ذلك الحي، لم تكن الحياة سهلة، لكنها كانت واضحة.
الأبواب تبقى مفتوحة أغلب الوقت، الأطفال يملؤون الشوارع حتى منتصف الليل، والنساء يجلسن أمام البيوت يتبادلن الأحاديث وكأن الزمن لا يتحرك.
كبرت هناك وأنا أظن أن الأشياء البسيطة تدوم.
الصداقة… تدوم.
الحب… يدوم.
والناس الذين نثق بهم لا يتحولون فجأة إلى غرباء.
كنت مخطئًا.
في العشرين من عمري، كنت أعيش أكثر أيام حياتي هدوءًا.
أدرس، أخرج مع أصدقائي، أعود للبيت متأخرًا أحيانًا فأسمع صوت أمي وهي تتذمر من السهر، ثم تضع لي الطعام رغم غضبها.
وفي وسط تلك الأيام العادية…
كانت مريم.
مريم لم تكن فتاة غريبة ظهرت فجأة في حياتي،
بل كانت جزءًا قديمًا من الحي نفسه.
رأيتها مئات المرات من قبل، لكن الحب يملك قدرة غريبة على إعادة تقديم الأشخاص لنا وكأننا نراهم لأول مرة.
كانت سمراء، بهدوء يجعل النظر إليها مريحًا، وعيناها البنيتان تحملان ذلك النوع من النظرات الذي يجعلك تصدق كل شيء تقوله حتى قبل أن تتكلم.
أول مرة أدركت أنني أحبها…
لم يحدث شيء كبير.
كانت فقط تمر من آخر الشارع، تحمل بعض الأغراض بيدها، ثم رفعت رأسها نحوي وابتسمت ابتسامة صغيرة جدًا.
لكن تلك الابتسامة بقيت معي طوال الليل.
ومنذ ذلك اليوم، بدأت أبحث عنها في كل مكان دون أن أشعر.
في الطريق، في المناسبات، حتى في الأوقات التي لا يفترض أن تكون موجودة فيها.
كنت أحبها بهدوء في البداية،
ثم تحولت المشاعر إلى شيء أكبر مني.
في تلك الفترة، كان صالح أقرب شخص لي.
صديقي منذ سنوات طويلة، الشخص الذي يعرفني أكثر من نفسي أحيانًا.
كنا نقضي أغلب الوقت معًا.
نجلس في آخر الحي لساعات، نتحدث عن الدراسة، المستقبل، البنات، وأشياء كثيرة لا قيمة لها الآن.
وأنا… كنت أحكي له عن مريم باستمرار.
أحكي له كيف ارتبكت عندما أمسكت هاتفي لأرسل لها أول رسالة،
كيف كنت أعيد قراءة كلامها عشرات المرات،
كيف أصبحت أبتسم وحدي كلما رأيت اسمها يظهر على الشاشة.
كنت أثق به بشكل أعمى.
حتى التفاصيل الصغيرة التي لا تُقال… كنت أقولها له.
وصالح كان دائمًا يستمع بهدوء.
يبتسم أحيانًا، ويسأل أحيانًا أخرى، لكن هناك شيء في عينيه لم أكن أفهمه وقتها.
شيء يشبه الغيرة… أو ربما الحقد الصامت.
لكن الإنسان لا يشك في صديقه بسهولة،
خصوصًا عندما يكون قد اعتاد وجوده في كل تفاصيل حياته.
مرت الشهور بسرعة، وأصبحت علاقتي بمريم أقوى.
بدأنا نتحدث لساعات طويلة، نتشارك أحلامًا صغيرة وبسيطة جدًا، كأن الحياة لن تتغير أبدًا.
كنت أصدق أنني وجدت الشخص الذي سأكمل معه عمري كله.
وذلك كان أكبر خطأ ارتكبته.
في إحدى الليالي، دعاني صالح إلى مناسبة في منزلهم.
قال إن بعض الأقارب سيحضرون، وإنه لا يريد أن يبقى وحده وسط الزحمة.
ذهبت دون تفكير.
البيت كان مليئًا بالناس، أصوات الضحك مرتفعة، ورائحة الطعام تملأ المكان.
دخلت وأنا أبحث عن مكان هادئ أجلس فيه، ثم رأيتها.
كانت مريم تجلس بجانب سمر، أخت صالح.
أتذكر تفاصيل تلك اللحظة بدقة غريبة…
لون ملابسها، طريقة ضحكتها، وحتى الطريقة التي نظرت بها إلي عندما دخلت.
جلست بقرب صالح تلك الليلة، وأنا أشعر أن حياتي تسير بالشكل الذي تمنّيته دائمًا.
لم أكن أعرف…
أنني كنت أجلس وسط بداية سقوط كل شيء.