أجنحة فوق الممالك - 4. يوجد خونة - بقلم مرام | روايتك

اسم الرواية: أجنحة فوق الممالك
المؤلف / الكاتب: مرام
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: 4. يوجد خونة

4. يوجد خونة

أوَّل ما دخلَ على العنقاءِ، رآها جالسةً على استحياءٍ في أبهى صُورِها، تنظرُ للأرضِ وتشدُّ وتضغطُ بيدها على ثوبها من الحياءِ. اقتربَ منها وعينُهُ تلمعُ من الفرحِ، ورفعَ رأسَها بيدهِ للأعلى بلطفٍ فرأى لونَ عينيها الرَّماديَّينِ التي زادتْ جمالَها جمالًا. ابتسمَ وقال: أشهب: "مباركٌ عليكِ أنا." ضحكتْ بلطفٍ ولم تردْ. بعدَ شهرٍ من زواجهما، لم يتركْ فيها أشهبُ العنقاءَ إلا في الضَّروراتِ. في وقتِ العصرِ كانَ أشهبُ والعنقاءُ في فناءِ البيتِ. العنقاءُ تحتسي القهوةَ، وأشهبُ يُصلحُ منجلًا مكسورًا، إذ طُرِقَ عليهما البابُ. فذهبَ أشهبُ ليفتحَ بعدَ أن قالَ للعنقاء: أشهب: "ادخلي لأرى مَن الطَّارقُ." وبالفعلِ دخلتِ العنقاءُ، وفتحَ أشهبُ البابَ ليجدَ الطَّارقَ أشهلَ، فعقدَ حاجبيهِ باستغرابٍ وقال: أشهب: "أشهلُ، أهلًا بكَ، تفضَّلْ." أشهل: "ليسَ الآنَ، فقد أتاكَ قبلَ قليلٍ رسولانِ من الخليفةِ ينتظرانكَ في مجلسِ القاضي." هزَّ أشهبُ رأسهُ بتفهُّمٍ، فهذه ليستْ أولَ مرةٍ يستدعيهِ الخليفةُ وقال: أشهب: "اسبقني وسألحقُ بكَ." أشهل: "حسنًا." ذهبَ أشهلُ وعادَ أشهبُ إلى العنقاءِ في داخلِ البيتِ وقالَ لها: أشهب: "سأغيِّرُ ملابسي وأذهبُ إلى مجلسِ القاضي، وأظنُّكِ سمعتِ لماذا." العنقاء: "حسنًا، رافقتكَ السَّلامةُ." دخلَ أشهبُ إلى غرفتهِ وغيَّرَ ملابسهُ ثمَّ خرجَ متَّجهًا إلى مجلسِ القاضي. في مجلسِ القاضي دخلَ أشهبُ المجلسَ فوجدَ أبيهُ وأشهلَ والقاضي والرَّسولَيْنِ. كانَ القاضي يجلسُ على كرسيِّ القضاءِ، وأصهبُ وأشهلُ على اليمينِ، والرَّسولانِ على اليسارِ. ألقى أشهبُ السَّلامَ: أشهب: "السَّلامُ على مَنِ اتَّبعَ الهدى." ثمَّ وقفَ ينتظرهم كي يتكلَّموا، فتقدَّمَ أحدُ الرَّسولَيْنِ وقدَّمَ لهُ رسالةً. فتحَ أشهبُ الرِّسالةَ وكانَ مكتوبًا بها: "مِن الخليفةِ زُهرُم بن ذِئال إلى القائدِ الحاذقِ أشهب بن أصهب؛ إذا أتاكَ كتابي هذا فأتني من فوركَ." قرأَ أشهبُ الرِّسالةَ ثمَّ هزَّ رأسهُ بتفهُّمٍ ثمَّ قالَ للرَّسولَيْنِ: أشهب: "سأكونُ هناكَ في صباحِ الغدِ." هزَّ الرَّسولانِ رأسهما ثمَّ خرجا، وبقيَ القاضي وأصهبُ وأشهلُ. قالَ أصهبُ لأشهبَ: أصهب: "يبدو أنَّ الأمرَ مهمٌّ جدًّا حتى يطلبَوكَ بهذهِ السَّرعةِ." نظرَ له أشهبُ عاقدًا الحاجبَيْنِ ولم يجبْ، ثمَّ قالَ القاضي: القاضي: "وفَّقكَ اللهُ يا أشهبُ، أسرعْ في الذَّهابِ، لن يطلبكَ بهذهِ السَّرعةِ وأنتَ حديثُ زواجٍ إلا لأمرٍ خطيرٍ." هزَّ له أشهبُ رأسهُ ثمَّ قالَ أشهلُ: أشهل: "هل ستأخذُ العنقاءَ معك؟" التفتَ له أشهبُ وقال: أشهب: "بالتَّأكيدِ." أصهب: "ولكنْ هنا أأمنُ لها، وهي بيننا." أشهب: "وهي هناكَ في حمايتي، ولن يجرؤَ على الاقترابِ منها حتى في غيابي." ثمَّ أكملَ في نفسه: أشهب (في نفسه): "وإن فعلوا، فسيلقمونَ حجرًا منها، ثمَّ أينَ أجدُ أنا أماني في البعدِ عنها؟" بقيَ القاضي يكملُ عملهُ وعادَ البقيةُ إلى بيوتهم. في منزلِ أشهبَ غيرُ مهمٍّ على الإطلاقِ." شهقتِ العنقاءُ بصدمةٍ وقالت: العنقاء: "هو أهمُّ منك!" فتحَ أشهبُ عيناهُ ورفعَ حاجبيهِ بذهولٍ وقال: أشهب: "هه! يا لكِ من وقحةٍ! ثمَّ همَّكِ جاسرُ ولم يهمَّكِ عمُّكِ وعمتُكِ!" نظرتْ له ببرودٍ وقالت: العنقاء: "لا تظنَّ أنَّكَ هكذا حشرتني! عمِّي وعمتي مرتاحانِ كثيرًا وهذا كلُّ ما يهمني، أمَّا جاسرُ فهو لا يرتاحُ إلا معي." وقفَ ونظرَ لها ببرودٍ ثمَّ قالَ وهو يخرجُ: أشهب: "جهِّزي نفسَكِ وخذي ما تحتاجينَ، ولا تأخذي لي شيئًا، فإنَّ لي بيتًا هناكَ فيهِ ما أحتاجُ، وأمَّا حيوانُكِ فسأرسلُ مَن يأخذُه إلى هناكَ." شهقتِ العنقاءُ ووضعتْ يدها على فمها وقالت: العنقاء: "حيواني! أتقولُ على جاسرٍ حيوانًا؟" ضحكَ أشهبُ ولم يردَّ عليها، فقالتْ في نفسها: العنقاء (في نفسها): "وكأنَّ التِّنِّينَ ليسَ حيوانًا! أحمقُ!" أكملتِ العنقاءُ تحضيرَ العشاءِ ثمَّ أكلوا، وبعدها حضَّرتْ ما تحتاجُ أخذَهُ من ملابسَ، فلا تحتاجُ أكثرَ من ذلكَ. في فجرِ اليومِ التالي ذهبتِ العنقاءُ لتودِّعَ عمَّها وعمتها وأهلَ أشهبَ. وهم أمامَ بيتِ ماهرٍ، كانتِ العنقاءُ تحتضنُ عمتها ثمَّ زبيدةَ وسرابَ. وبعدها قالَ ماهر: ماهر: "حفظكِ اللهُ يا بنتي." قالتْ نادرةُ وهي تمسحُ دموعَها: نادرة: "استودعتكِ اللهَ يا بنتي! لم ألحقْ أن أتهنَّى بكِ من آخرِ سفرةٍ." ابتسمتِ العنقاءُ وقالتْ وهي تمسحُ دموعَ نادرةَ: العنقاء: "ألم تعتادي بعدُ؟ في كلِّ مرةٍ تبكينَ!" نادرة: "ولن أعتادَ! ستشعرينَ بذلكَ عندما تنجبينَ. لا تنسي أن تهتمي بزوجكِ يا ابنتي." زبيدة: "حفظكما اللهُ." ثمَّ التفتتْ على أشهبَ وقالت: زبيدة: "اهتمَّ بها يا أشهبُ ولا تؤذيها." أصهب: "لن يجرؤَ! إن فكَّرَ فقط، سأكسرُ رأسهُ!" ضحكتْ سرابُ على أشهبَ الذي كانَ ينظرُ لها وإلى العنقاءِ ببرودٍ، وهي تنظرُ له بتشفٍّ. ثمَّ قالَ أشهلُ: أشهل: "تصلانِ بالسَّلامةِ، وعذرًا، لم تستطعْ ريمُ القدومَ، فهي مريضةٌ كما تَعلمانِ، وترسلُ لكِ سلامها يا العنقاءُ وتقولُ لكِ: تصلينَ بالسَّلامةِ." العنقاء: "عليكِ وعليها السَّلامُ، لا بأسَ، صحتُها أهمُّ." أشهب: "هيا، علينا الرَّحيلُ." حضنتْ نادرةُ العنقاءَ مرةً أخرى، ومن بعدها سارَ كلٌّ من أشهبَ إلى بوَّابةِ المدينةِ، وأشهبُ يحملُ أغراضَ العنقاءِ. وما إن ابتعدا عن المدينةِ بمسافةٍ جيِّدةٍ، أعطى أشهبُ العنقاءَ أغراضَها وقال: أشهب: "سأبتعدُ عنكِ بمسافةٍ حتى أستطيعَ التَّحوُّلَ." العنقاء: "لِمَ لمْ تتحوَّلْ داخلَ المدينةِ؟" أشهب: "حجمي ضخمٌ جدًّا، وسيتأذَّى النَّاسُ والبيوتُ، على عكسِ بعضِ التَّنانينِ الزُّرقِ التي يكونُ حجمها ليسَ كبيرًا جدًّا ." ابتعدَ أشهبُ عنها بمسافةٍ جيِّدةٍ ثمَّ تحوَّلَ لتِنِّينٍ أبيضَ، لونُ عيناهُ حمرٌ كأنَّها حجرٌ كريمٌ، وجناحاهُ كبيرانِ جدًّا، ذا أربعِ قوائمَ. ثمَّ أنزلَ لها أحدَ جناحيهِ لتصعدَ فوقهُ من خلالِهما، ففعلتْ. ثمَّ طارَ بها نحو الشَّرقِ ناحيةَ العاصمةِ. لم يتحدَّثا طولَ السَّاعتينِ التي طارا فيها حتى وصلا، إذ إنَّهما لا يستطيعانِ أن يتكلَّما بلغةِ البشرِ بعدَ التَّحوُّلِ. نزلَ أشهبُ في غابةٍ قريبةٍ من العاصمةِ، ثمَّ أنزلَ العنقاءَ، وبعدها رجعَ إلى طبيعتهِ. وما إن رجعَ حتى أصبحَ على جسدهِ حراشفُ كبيرةٌ تناسبُ حجمَ جسدهِ، تغطِّيهِ بالكاملِ من رقبتهِ إلى كعبِ قدمهِ. وقفتِ العنقاءُ تنظرُ له باستغرابٍ، فنظرَ لها وضحكَ ثمَّ قالَ: أشهب: "يبدو أنَّكِ لم تَرَيْ تِنِّينًا يتحوَّلُ من قبلُ أمامكِ!" رفعتِ العنقاءُ حاجبها الأيمنَ وقالت: العنقاء: "ولِمَ قد يتحوَّلُ تِنِّينٌ أمامي؟" لم يجبها أشهبُ ثمَّ سارَ نحوها وأخذَ منها الأغراضَ وسارَ أمامها وهي خلفه، واستمرَّا في السَّيرِ حتى دخلا المدينةَ ووصلا إلى منزلهِ الذي كانَ كبقيةِ بيوتِ الطَّبقةِ الوسطى، ولم يكنْ به فناءٌ أماميٌّ. طرقَ أشهبُ البابَ فنظرتْ له العنقاءُ باستغرابٍ ولم تعلِّقْ. وما هي إلا ثوانٍ حتى فتحتِ البابَ امرأةٌ في غايةِ الجمالِ، قصيرةٌ قليلًا، قمحيَّةُ البشرةِ، بُنيَّةُ الشَّعرِ والعينينِ. وأوَّلَ ما رأتْ أشهبَ قالتْ، وكانتْ لم تَرَ العنقاءَ خلفهُ: المرأة: "أهلًا بكَ سيدي، أنرتَ منزلَكَ." ثمَّ أفسحتْ له المجالَ ليدخلَ. وعندما دخلَ رأتِ العنقاءَ، فنظرتْ لها باستغرابٍ، وزادَ استغرابها عندما قالَ أشهبُ: أشهب: "ادخلي يا العنقاءُ." دخلتِ العنقاءُ والمرأةُ تنظرُ لها بعدمِ ترحيبٍ، ثمَّ أغلقتِ البابَ خلفها. ثمَّ قالَ أشهبُ للعنقاء: أشهب: "هذه رغداءُ، جاريتي." ثمَّ التفتَ إلى رغداءَ وقال: أشهب: "العنقاءُ زوجتي." وقفتْ رغداءُ ولم تقلْ شيئًا، فنظرَ لها بحدَّةٍ وقالَ: أشهب: "ألن ترحِّبي بها؟" نظرتْ له ثمَّ نظرتْ إلى العنقاءِ وقالت: رغداء: "أنرتِ منزلَكِ سيدتي." ابتسمتْ لها العنقاءُ، ثمَّ قالَ أشهبُ لرغداءَ: أشهب: "حضِّري ملابسي، سأذهبُ إلى الخليفةِ، ورتِّبي ملابسَ العنقاءِ." رغداء: "حسنًا." ثمَّ أتتْ لتأخذَ أغراضَ العنقاءِ، ولكنَّ العنقاءَ قالت: العنقاء: "دعيها، سأرتِّبُها بنفسي." نظرتْ رغداءُ لأشهبَ الذي أشارَ لها بعينهِ لتُسرعَ وتجهِّزَ ثيابَهُ. ذهبتْ رغداءُ لتجهِّزَ ملابسهُ، أمَّا أشهبُ فأخذَ العنقاءَ ليريَها البيتَ. وما هي إلا دقائقُ حتى جهَّزتْ رغداءُ الملابسَ، ثمَّ ارتدى أشهبُ ملابسهُ واتَّجهَ ليخرجَ. وهو يقفُ على البابِ قالَ للعنقاءِ قبلَ أن يخرجَ: أشهب: "يمكنكِ الخروجُ إذا أردتِ، هذا إذنٌ مطلقٌ ما دمتُ غيرَ موجودٍ." هزَّتْ له رأسها ثمَّ خرجَ متَّجهًا إلى القصرِ، وبَقيتِ العنقاءُ في البيتِ تنظرُ لرغداءَ وهي ترتِّبُ ما يحتاجُ التَّرتيبَ بعدَ أن رتَّبتْ ملابسَها. وهي تجلسُ في غرفةِ استقبالِ الضُّيوفِ، مرَّتْ رغداءُ من أمامها فاستوقفتها قائلةً: العنقاء: "أتُحبِّينه؟" نظرتْ لها وقد اتَّسعتْ عيناها ثمَّ قالت: رغداء: "وهل تعلمينَ سيدتي ما هو الحبُّ؟" العنقاء: "لا، لم أُجرِّبهُ من قبلُ." رغداء: "لا، لا أُحبُّه، بل..." ولم تستطعْ أن تُكملَ فابتسمتِ العنقاءُ وقالت: العنقاء: "وهل هو يستحقُّ؟" رغداء: "بالطَّبعِ يستحقُّ، بل يستحقُّ أكثرَ من ذلكَ! لِمَ تزوَّجتِهِ لو لم تكوني تُحبِّينَهُ؟" العنقاء: "لا يُشترطُ الحبُّ في الزَّواجِ، المهمُّ أنِّي لا أكرهُهُ. يمكنكِ الذَّهابُ." ذهبتْ رغداءُ تُكملُ ما كانتْ تفعلُ، أمَّا العنقاءُ فقد خرجتْ تتمشَّى. في القصرِ دخلَ أشهبُ إلى غرفةِ العرشِ وألقى التَّحيةَ على الخليفةِ بشموخٍ، فأشارَ الخليفةُ له بالجلوسِ، وقد كانَ يجلسُ على العرشِ ويضعُ على صدرهِ الصَّليبَ. جلسَ أشهبُ بصمتٍ ثمَّ قالَ: الخليفة: "علمنا أنَّكَ تزوَّجتَ." أشهب: "نعم، تزوَّجتُ قبلَ شهرٍ." الخليفة: "وددنا لو أنَّكَ أعلمتَنا قبلَ أن تتزوَّجَ، ولكنْ ما لهذا طلبناكَ. وصلتنا أخبارٌ من رجالنا في الحدودِ أنَّ رجالًا من مملكةِ أجنحةِ الصَّحراءِ تسلَّلوا إلى حدودنا، ولما اكتُشِفَ أمرهم رجعوا مسرعينَ. وأنتَ تعلمُ أنَّ هذه المملكةَ أغلبُها يهودٌ وقلَّةٌ فيها نصارى، واليهودُ لا يُؤمَنُ جانبُهم." أشهب: "هل أُحقِّقُ في أمرهم؟" الخليفة: "لا، ولكنْ كُنْ يقظًا فحسبُ. أنا قد نبَّهتُ غيرَكَ من القادةِ أن يكَثِّفوا الرِّجالَ على الحدودِ، وأن يُسرُّوا الأمرَ حتى ينتهي، حتى لا يدخلَ أحدٌ منهم سرًّا قبلَ أن نُكَثِّفَ الرِّجالَ إن كانَ يريدُ حربًا لا نكنْ نحنُ أولَ مَن يبدأُها." أشهب: "أمرُكَ." الخليفة: "وأمرٌ آخرُ كنتُ أريدُ أن أفاتحكَ فيهِ من قبلُ؛ إنِّي أعرضُ عليكَ أن تتزوَّجَ ابنتي وهجَ، فلا أظنُّني سأجدُ خيرًا منكَ لها." نزلَ الأمرُ على أشهبَ كالصَّاعقةِ، سكتَ لبرهةٍ يستوعبُ ما قالَ. وعندما لم يجبْ قالَ الخليفةُ: الخليفة: "أظنُّ أنَّ في دينكم يحلُّ لكم الزَّواجُ بأكثرَ من واحدةٍ، أليسَ كذلكَ؟ ثمَّ إنَّ هذا يقرِّبكَ مني ويرفعُ شأنكَ." فهمَ أشهبُ أنَّ في كلامهِ الأخيرِ تهديدًا مبطَّنًا وإشعارًا لهُ بمكانتهِ فقالَ: أشهب: "يسرُّني أن أكونَ زوجًا لابنتكم، فنِعْمَ النَّسَبُ نسَبُكُما، ونِعْمَ المصاهرةُ مصاهرتكُما." ابتسمَ الخليفةُ برضا ثمَّ قالَ: الخليفة: "إذًا اذهبْ أنتَ ووهجُ وتمشَّيَا قليلًا، فأظنُّها ستحبُّ ذلكَ." وبالفعلِ أرسلَ الخليفةُ لابنتهِ مَن يُعلِّمها، فما هي إلا فترةٌ قصيرةٌ حتى دخلتْ عليهم فتاةٌ شقراءُ ذاتُ عيونٍ زرقاءَ ونمشٍ في وجهها الأبيضِ الفاتنِ. التفتَ الخليفةُ لها بوجهه وقالَ لها: الخليفة: "اذهبي يا وهجُ معَ القائدِ أشهبَ وتمشَّي معه قليلًا في أرجاءَ المملكةِ، فعما قريبٍ سيكونُ زوجكِ، فلا بدَّ من التَّعارفِ." وهج: "أمرُكَ يا أبتي." الخليفة: "أتُريدانِ أن آمرَ لكما بعربةٍ؟" وهج: "لا أظنُّ، أريدُ أن أسيرَ على قدميَّ قليلًا." الخليفة: "حسنًا، كما تُريدينَ." خرجَ كلٌّ من أشهبَ ووهجَ خارجَ القصرِ ليسيرا في سوقِ العاصمةِ. في السُّوقِ حيثُ أشهبُ يسيرُ بجانبِ وهجَ بصمتٍ وهي لا تكفُّ عن الحديثِ. وفي نفسِ السُّوقِ بمسافةٍ بعيدةٍ قليلةٍ، كانتِ العنقاءُ تسيرُ هي أيضًا ورأتهما، فسمعت وهج تتكلَّم وفهمتْ أنَّ أشهبَ خطبَ بنتَ الخليفةِ. فسارتْ إليهما، ولما اقتربتْ رآها أشهبُ الذي توتَّرَ وبدأَ يفركُ أصابعهُ في بعضها وينظرُ إلى كلِّ مكانٍ بعشوائيَّةٍ. لاحظتْهُ العنقاءُ، اقتربتْ منهما ووقفتْ أمامهما وظلَّتْ تنظرُ لأشهبَ وهي تبتسمُ من تحتِ اللِّثامِ وتنظُرُ له بنظرةٍ بلهاءَ جعلتْ أشهبَ يعقدُ حاجبيهِ باستغرابٍ. نظرتْ لها وهجُ من أعلى إلى أسفلَ باستعلاءٍ وقالت: وهج: "منذُ متى يقفُ عامَّةُ الشَّعبِ معَ أعاليهِ هكذا؟" العنقاء: "أظنُّنا في نفسِ المقامِ." وهج: "هه! هل أنتِ أميرةُ مملكةٍ وأنا لا أدري؟" العنقاء: "ربما، مَن يدري!" قلَّبتْ وهجُ عينيها ولم تجبْ. أمَّا العنقاءُ فنظرتْ لأشهبَ بابتسامةٍ وهي تثني يديها على بعضٍ ثمَّ قالت: العنقاء: "اللَّهمَّ باركْ عليكَ يا أشهبُ! منذُ شهرينِ لم تكنْ تُريدُ أن تتزوَّجَ، والآنَ سيكونُ لديكَ اثنتانِ! ولكَ عليَّ أن أمدحَ ذوقكَ، صراحةً؛ الأولى بنتُ التَّاجرِ جميلةُ مدينتها، والجاريةُ فاتنةٌ، والآنَ بنتُ الخليفةِ ذاتُ جمالٍ باهرٍ!" نظرَ لها أشهبُ بصدمةٍ وعينينِ متَّسعتينِ، ولكنَّ العنقاءَ لم تهتمَّ وأكملتْ: العنقاء: "ولكنْ سريعٌ جدًّا، اللَّهمَّ باركْ! ليسَ بينَ زواجكَ وخطبتكَ إلا شهرٌ!" نظرتْ لها وهجُ باستغرابٍ وقالت: وهج: "مَن أنتِ؟" مدَّتِ العنقاءُ لها يدها تصافحها قائلةً: العنقاء: "أنا زوجتُهُ العنقاءُ." نظرتْ لها بضيقٍ ولم تصافحها، فأعادتِ العنقاءُ يدها بغيرِ مبالاةٍ. أمَّا أشهبُ فقد احمرَّتْ عيناهُ وضغطَ على قبضةِ يدهِ وضغطَ على أسنانهِ من موقفِ العنقاءِ. أكملتِ العنقاءُ قائلةً: العنقاء: "يجبُ أن تُعرِّفنا يا أشهبُ، فنحنُ سنكونُ عائلةً." لما رأتِ العنقاءُ أنَّ أشهبَ يمكنُ أن ينفجرَ فيها في أيِّ لحظةٍ قالت: العنقاء: "أستأذنكم، لديَّ ما أفعلُ." ثمَّ ذهبتْ من أمامهما مسرعةً. نظرتْ لها وهجُ باستخفافٍ وقالت: وهج: "مجنونةٌ! أنصحكَ أن تُطلِّقها فهي لا تليقُ بمقامكَ." أغمضَ أشهبُ عيناهُ وعلا صوتُ تنفُّسهِ وضغطَ على شفتيهِ ممَّا جعلَ وهجَ تخافُ منهُ وتسكتُ. بعدَ برهةٍ سيطرَ فيها أشهبُ على نفسهِ قال: أشهب: "سأوصلكِ إلى القصرِ الآنَ." ثمَّ سارَ ولم ينتظرْ جوابها، وسارتْ هي خلفهُ دونَ أن تقولَ شيئًا. أوصلها إلى القصرِ ثمَّ خرجَ يبحثُ عن العنقاءِ. ذهبَ إلى بيتهِ ولم يجدها فيهِ. عندَ العنقاءِ خرجتِ العنقاءُ من المدينةِ وذهبتْ إلى الغابةِ القريبةِ منها تتمشَّى وتفكِّرُ في ماضيها، وكيفَ أنَّ ماهرَ ونادرةَ وجداها على قارعةِ الطَّريقِ في الثُّلثِ الأخيرِ من اللَّيلِ، وأنَّ شابًّا ملثَّمًا أخبرهم عنها ثمَّ ذهبَ مسرعًا. وجلستْ تفكِّرُ وتحدِّثُ نفسها: العنقاء (في نفسها): "أتراهُ هو؟ وإن كانَ هو، لِمَ يتركني؟ لِمَ يُبقيني وحيدةً؟ أهُنتُ عليهِ حتى يتركني خمسةَ عشرَ سنةً وحيدةً؟ وإن كانَ هو، هل لا زالَ حيًّا يرزقُ أم ماتَ؟" ثمَّ ادمعتْ عيناها، دمعةٌ تبعتها أخرى، ثمَّ انهمرتْ عيناها وقالت: العنقاء: "آه! لِمَ فعلتَ بي هذا؟ كيفَ أطاعكَ قلبكَ؟" وهي هكذا، إذ تسمعُ خمسةَ رجالٍ من بعيدٍ يتهامسونَ عن أمورٍ مريبةٍ، فاقتربتْ منهم قليلًا تستمعُ. وما هي إلا دقائقُ حتى تسمعَ أشهبَ يأتي من خلفها، وأوَّلَ ما اقتربَ وكانَ يبدو عليهِ الغضبُ، التفتتْ له مشيرةً له بيدها أن يقتربَ بهدوءٍ وصمتٍ. فاقتربَ ولمحَ من بعيدٍ الرِّجالَ فظلَّ صامتًا بجانبها حتى ذهبَ الرِّجالُ ثمَّ قالَ لها: أشهب: "ماذا هناكَ؟ مَن هؤلاءِ؟" العنقاء: "يبدو أنَّهم جواسيسُ! فقد سمعتهم يتكلَّمونَ عن أمرِ الخليفةِ بزيادةِ عددِ الرِّجالِ في الحدودِ ومواقعِ الرِّجالِ، وأنَّهم يريدونَ إخبارَ خليفةِ مملكةِ أجنحةِ الصَّحراءِ بذلكَ." عقدَ أشهبُ حاجبيهِ يفكِّرُ فيما قالتْ، ثمَّ مرَّرَ يدهُ على لحيتهِ كذا مرةٍ بصمتٍ حتى قاطعتهُ العنقاءُ قائلةً: العنقاء: "ماذا ستفعلُ؟" أشهب: "ما رأيكِ أنتِ؟" العنقاء: "أرى أن تُسرَّ الأمرَ حتى تكشفَ مَن الخائنُ." أشهب: "هذا الذي فكَّرتُ فيهِ! لا بدَّ من وجودِ خائنٍ، فهذا الأمرُ لم يتجاوزْ مسامعَ القادةِ بعدُ. ولكنْ كيفَ عرفتِ أنَّ هناكَ خائنًا؟" العنقاء: "من خلالِ كلامهم." هزَّ لها أشهبُ رأسهُ بتفهُّمٍ. العنقاء: "ألديكَ فكرةٌ كيفَ ستكشفهُ؟" أشهب: "لديَّ واحدةٌ." ثمَّ انتبهَ إلى عينيها المحمرَّتينِ وأنَّ اللِّثامَ مبلَّلٌ، فاقتربَ منها ونزعَ اللِّثامَ ومسحَ بقيةَ الدُّموعِ بيديهِ وقال: أشهب: "ما بكِ؟ لِمَ كنتِ تبكينَ؟" أشاحتْ بنظرها عنهُ وقالتْ مجاهدةً لتمسكَ دموعَها: العنقاء: "تذكَّرتُ شخصًا لا أريدُ أن أتكلَّمَ عنه." تفهَّمَ أشهبُ أنَّها لا تثقُ بهِ بشكلٍ تامٍّ بعدُ فاحتضنها ولم يقلْ شيئًا لبرهةٍ ثمَّ أبعدها وقال: أشهب: "أتَعلمينَ؟ لقد اكتشفتُ خمسًا من القوى التي تملكينَها!" نظرتْ له بنصفِ عينٍ وقالت: العنقاء: "والتي هيَ؟" أعادَ لها اللِّثامَ وأخذَ يسيرُ معها عائدينَ إلى البيتَ قائلًا: أشهب: "تغييرُ لونِ عينيكِ، وبصركِ، وسمعكِ. أمَّا الأخريانِ فهذهِ يمتلكها كلُّ مَن ينتمي إلى مملكتكِ: قوةُ جسدٍ هائلةٌ وجناحانِ ." العنقاء: "ذكيٌّ! يبدو أنَّكَ مهتمٌّ بشعبي." أشهب: "كانَ لي صديقٌ غالٍ على قلبي منهم." نظرتِ العنقاءُ للفراغِ ولم تردَّ. عادَ كلٌّ منهم إلى البيتِ ولم يتكلَّما، بل نامَ كلٌّ منهما أوَّلَ ما وصلا. في القصرِ بعدَ أن لبستِ السَّماءُ رداءَها الأسودَ وجملَها البدرُ والنُّجومُ كانتْ وهجُ تسيرُ في غرفتها ذهابًا وإيابًا، وبجانبها خادمتُها وتقولُ في غضبٍ: وهج: "يتركني ويذهبُ إلى تلكَ الشَّمطاءِ! أنا بنتُ خليفةِ مملكةِ التَّنانينِ الرُّزقِ، أُتركُ لأجلِ بنتٍ من عامَّةِ الشَّعبِ!" وقفتِ الخادمةُ خائفةً تفركُ يديها تخشى أن تفقدَ وظيفتَها بسببِ غضبِ وهجَ، ثمَّ قالتْ محاولةً تخفيفَ الأمرِ: الخادمة: "لا يمكنهُ أن يستبدلَكِ يا سيدتي، فأنتِ لا تُستبدلينَ! لا تنسي أنَّكِ أجملُ مَن في هذه المملكةِ." وقفتْ تنظرُ إليها بصمتٍ لبرهةٍ جعلتْ قلبَ الخادمةِ يسقطُ في معدتها ثمَّ قالتْ: وهج: "أتظنينَ ذلكَ؟" الخادمة: "بل متيقِّنةٌ!" هدأتْ قليلًا. ثمَّ صرختْ بلا سابقةِ إنذارٍ ممَّا جعلَ جسمَ الخادمةِ ينتفضُ ثمَّ قالتْ: وهج: "ولكنْ لديها عينانِ جميلتانِ جدًّا!" ثمَّ نظرتْ لها بغضبٍ وقالتْ: وهج: "لا أريدُ رؤيتَكِ في القصرِ مرةً أخرى، فأنتِ كاذبةٌ!" خرجتِ الخادمةُ تبكي مغلوبةً على أمرها وقد فقدتْ مصدرَ رزقِ أولادها. أمَّا وهجُ فنامتْ على سريرها وقالتْ: وهج: "لن أكونَ وهجَ إن لم يُطلِّقها هو لي أنا فقط." في اليومِ التالي بعدَ أن أذَّنَ الفجرُ وصلَّى المسلمونَ، عادَ أشهبُ إلى بيتهِ فوجدَ العنقاءَ جالسةً في وسطِ البيتِ على الأريكةِ تقرأُ أحدَ الكتبِ التي كانتْ في مكتبتهِ. جلسَ بالقربِ منها ولم يتكلَّمْ معها، بل أسندَ يديهِ على ركبتيهِ وأشبكَ يديهِ ووضعَها على فمهِ ومالَ بظهرهِ للأمامِ يفكِّرُ. لم يكنْ يفكِّرُ في أمرِ الخائنِ أو أمرِ زواجِهِ من وهجَ، بل كانَ يفكِّرُ في موقفِ العنقاءِ من زواجِهِ، وقالَ في نفسه: أشهب (في نفسه): "هل يُعقلُ أنَّها لا تغارُ عليَّ؟ هل هذا يعني أنَّها لا تحبُّني؟ ربما تحبُّني، لكنْ لا تملكُ غيرةً؟ لا، لا يُعقلُ حبٌّ بلا غيرةٍ! كيفَ تحبُّكِ في شهرٍ واحدٍ؟ ولكنْ ما دهاني؟ أنا أحببتُها مذ رأيتُها، ولكنْ أنا..." ثمَّ حرَّكَ يديهِ في شعرهِ بقوةٍ وصرخَ: أشهب: "آآآآه!" نظرتْ له العنقاءُ رافعةً حاجبها ولم تعقِّبْ. أمَّا هو فنظرَ لها ثمَّ قالَ: أشهب: "العنقاءُ اسمعي، أريدُ أن أُحدِّثَكِ بموضوعٍ، فاتركي الكتابَ الآنَ." تركتِ العنقاءُ الكتابَ والتفتتْ إليهِ تنتظرُ ما سيقولُ. أشهب: "..."