الفصل الرابع : سريالية الظلام
قفز ديفيد من السرير كالملسوع، وقلبه يقرع في صدره كطبل مجنون يكاد يمزق ضلوعه. التفت بجسده كله نحو الزاوية، وكانت الخزانة التي أغلقها قبل نومه مفتوحة الآن على مصراعيها. الظلام بداخلها لم يكن مجرد غياب للضوء, بل كان ظلاماً كثيفاً، أسود من عتمة الغرفة نفسها، وكأنه مادة سائلة تتحرك ببطء. تراجع ديفيد حتى ارتطم ظهره بالنافذة الزجاجية الباردة، بينما بدأت الظلال داخل الخزانة تتشكل وتتمدد على الأرضية الخشبية مثل أصابع طويلة تبحث عن شيء تمسكه.
لم تكن هناك وحوش بقرون أو دماء، بل كان هناك شعور نفسي خانق بالطاقة السلبية والوحدة المطلقة، وكأن الغرفة قد عُزلت عن العالم الخارجي تماماً. تذكر ديفيد فجأة كيف أصر موظف الاستقبال على أن الغرفة رقم 9 هي المكان "الأكثر هدوءاً"، وأدرك الآن المعنى المرعب للهدوء؛ لم يكن غياباً للصوت، بل كان كميناً ينتظر الضحية المناسبة. الجدران حوله لم تكن مجرد خشب وطلاء، بل كانت إسفنجة امتصت يأس وخوف كل المسافرين الذين دخلوها ولم يخرجوا منها أبداً.