أجنحة فوق الممالك - 3. الزواج - بقلم مرام | روايتك

اسم الرواية: أجنحة فوق الممالك
المؤلف / الكاتب: مرام
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: 3. الزواج

3. الزواج

أوَّل ما دخلوا بوَّابة المدينة في الظَّهيرة، رأتِ العنقاء شيئًا جعلها تشعر بالخجل من عمِّها وعمَّتها، وهو أنَّها رأت مجموعةً من الشَّباب والنِّساء واقفين يتبادلون الحديثَ والضَّحك بغير حياءٍ ولا خجلٍ، والنِّساءُ تتمايلُ بينَ الشَّباب. وهذا ممَّا لم يعتَدْ كلٌّ منهما على رؤيته في قريتهم، فقد كانَ غالبُ أهلها مسلمينَ، وحتى مَن فيها من النَّصارى كانوا يتمتَّعونَ بقدرٍ من الحياء. لاحظَتِ العنقاءُ استياءَ كلٍّ من ماهرَ ونادرةَ، وأنَّ ماهرًا كان يهمسُ بالحوقلةِ ويغضُّ بصره. أكملوا طريقهم بصمتٍ ولم يعلِّق أيٌّ منهم على الموقف. وما إن وصلوا إلى أسواقِ المدينةِ، تقدَّم لهم شابٌّ أسمرُ البشرةِ، طويلُ القامةِ، عريضُ الصَّدرِ، وألقى السَّلامَ ثمَّ قال: الشَّاب: "أنا عقاب، وكُلِّفتُ أن أُرشدَكم إلى المنزلِ الذي سوفَ تقيمونَ فيه." فهمَتِ العنقاءُ أنَّ هذا الشَّابَ مرسولٌ من أشهبَ، وأنَّه كان يعلمُ بقدومها في هذا اليوم بالذَّات وليس قبله، وهذا يعني أنَّه كان يترقَّبُ وصولَها على أطرافِ المدينة. أمَّا ماهرٌ، فاستغربَ من ذلكَ وقالَ للعنقاء: ماهر: "مَن هذا يا ابنتي، وعن أيِّ بيتٍ يتكلَّم؟" التفتَتِ العنقاءُ بجسمها كاملًا إلى عمِّها وقالت: العنقاء: "هذه توصيةٌ من أحدِ معارفي." هزَّ ماهرٌ رأسهُ وفهمَ أنَّها تقصدُ أحدَ التُّجَّارِ الذين عملتْ معهم من قبل. وجَّهتِ العنقاءُ كلامَها للشَّابِّ وقالت: العنقاء: "سِر بنا إلى البيتِ يا عقاب." أشارَ عقابٌ إلى الطَّريقِ التي سيسيرون منها، ثمَّ بدأَ يسيرُ وهم خلفه في صمتٍ. وبعد مدَّةٍ ليستْ بطويلةٍ، وصلوا إلى بيتٍ بعيدٍ عن السُّوقِ بمسافةٍ جيِّدةٍ. كان البيتُ في حالةٍ جيِّدةٍ، ليس كبيرًا ولكنه مناسبٌ جدًّا. وقفوا أمامه في صمتٍ حتى قالَ عقاب: عقاب: "هذا هو البيت." ثمَّ أخرجَ مفتاحَيْنِ من جيبهِ وأعطاهما لماهرَ، ثمَّ توجَّهَ لأغراضهم كي يدخلها للداخل. فتحَ ماهرٌ بابَ الفناءِ، ثمَّ قالَ لنادرةَ والعنقاءِ بعدَ أن أعطى العنقاءَ المفتاحَ الآخر: ماهر: "ادخلا، وأنا سألحقُ بكما بعدَ أن أدخلَ معهُ الأغراض." دخلَتْ نادرةُ وتبعتها العنقاءُ، وقبلَ أن تدخلَ لاحظتْ أشهبَ يدخلُ بيتًا كبيرًا نسبيًّا في نفس الشَّارعِ، فعلمتْ أنَّه اختارَ لهم بيتًا يكونُ بالقربِ من بيتهِ عمدًا. أدخلَ ماهرٌ وعقابٌ الأغراضَ للفناءِ، ثمَّ التفتَ عقابٌ إلى ماهرَ وقال: عقاب: "اسمح لي يا عمُّ، سآخذُ الحصانَ والنَّاقتَيْنِ معي لأهتمَّ بهما." ماهر: "هما ليسَ لي، انتظرْ لأسألَ صاحبتها." في هذه اللحظةِ خرجَتِ العنقاءُ وقالت: العنقاء: "افعلْ ما تراهُ يا عمُّ، فكلُّ ما لي هو لك." ابتسمَ ماهرٌ لها، ثمَّ التفتَ إلى عقابَ وقال: ماهر: "حسنًا، خذهما، ولكنْ إلى أينَ ستأخذهما؟" عقاب: "الحصانُ إلى الإسطبلِ، أمَّا النَّاقتانِ فأضعهما معَ نياقِ سيدي." قالتِ العنقاءُ لماهرَ: العنقاء: "ما رأيكَ في أن نبيعَ النَّاقتَيْنِ يا عمُّ، فلا حاجةَ لنا بهما الآن؟" هزَّ ماهرٌ رأسهُ يستصوبُ رأيها ثمَّ قالَ لعقاب: ماهر: "هل تبيعهما على سيدكَ؟" عقاب: "لا بأسَ، وأظنُّهما ستجلبانِ مالًا جيِّدًا، فهما ممتازتانِ." ماهر: "حسنًا، سأذهبُ معك." ذهبَ كلٌّ من ماهرَ وعقابَ لبيعِ النَّاقتَيْنِ ووضعِ جاسرَ في الإسطبلِ، وما هي إلا ساعاتٌ قليلةٌ حتى عادَ ومعه ثمنُ النَّاقة. دخلَ عليهم في وسطِ المنزلِ وألقى السَّلامَ، وقد كانتا تشربانِ اليانسونَ، ثمَّ أخرجَ صرَّةَ المالِ من جيبه ومدَّها إلى العنقاءِ التي قالت: العنقاء: "أبقِها معك، لا أريدها." أخذَها ماهرٌ ولم يعلِّقْ؛ لأنَّه يعلمُ أنَّه لا جدوى من الرَّفضِ، ثمَّ جلسَ معهما وسكبتْ له نادرةُ كأسًا من اليانسونِ، وجلسوا يتحدَّثون قليلًا، ثمَّ دخلَ كلٌّ منهم للغرفةِ التي اختارها وناموا. في اليومِ التالي في منزلِ أصهب: كانَ أصهبُ وزوجتهُ زبيدةُ وأشهبُ وأختهُ سِرابُ التي أتتْ من بيتِ زوجها لتتغدَّى معهم، وقد كانوا جالسينَ يتغدَّون، وإذ هم كذلكَ إذ قالَ أصهب: أصهب: "بالأمسِ أتاني رجلٌ خمسينيٌّ معَ عقابٍ اسمهُ ماهر، وباعَ عليَّ ناقتَيْنِ. كانتْ هذه أولَ مرةٍ أراهُ في المدينة." زبيدة: "هل تظنُّ أنَّهم سكانٌ جددٌ أم مجرَّدُ تاجرٍ؟" أصهب: "لا، لا أظنُّه تاجرًا." أشهب: "بالأمسِ أتى سكانٌ جددٌ وسكنوا البيتَ المعروضَ للبيعِ الذي في شارعنا، لعلَّه نفسهُ." أصهب: "ربما." أشهب: "أظنُّ أنَّ علينا زيارتَهم والتَّرحيبَ بهم." زبيدة: "معكَ حقٌّ، سأُحضرُ وجبةً وأذهبُ إليهم أنا وسرابُ بعدَ العصر." أصهب: "خيرًا تفعلينَ، وأنا أيضًا سأزورُ الرَّجل." أشهب: "سأذهبُ معك." هزَّ أصهبُ رأسهُ دليلًا على الموافقةِ، أمَّا سرابُ فقد كانتْ تنظرُ لأشهبَ رافعةً حاجبها الأيمنَ باستغرابٍ من مشاركةِ أشهبَ لهم الحديثَ ولاهتمامِهِ، ولكنَّها لم تعلِّقْ. أمَّا أشهبُ، فلاحظها ولكنهُ ادَّعى أنَّه لم يرها. بعدَ العصرِ في منزلِ ماهر: طرقَ أصهبُ البابَ، فخرجَ له ماهرٌ وفتحَ له، وأوَّلَ ما رآه رحَّبَ به، ثمَّ أدخلهم وقالَ بصوتٍ عالٍ لنادرةَ والعنقاء: ماهر: "نادرة، لديكِ ضيوفٌ، اخرجا لتستقبلانهما." أدخلَ ماهرٌ أصهبَ وأشهبَ وأشهلَ الذي أتى معهم إلى مجلسٍ ذي بابٍ منفصلٍ خارجيٍّ، ثمَّ خرجَتْ نادرةُ لاستقبالِ زبيدةَ وسرابَ وأدخلتهما وهي ترحِّبُ بهما. وعندما دخلوا رأوا العنقاءَ واقفةً تريدُ أن تُسلِّمَ عليهنَّ، فوقفتْ زبيدةُ متفاجئةً تنظرُ إلى العنقاءِ قائلةً: زبيدة: "سبحانَ المصوِّرِ، ما أجملكِ!" وقد كانتِ العنقاءُ بملابسِ البيتِ لا تغطِّي وجهَها، و كانتْ ذاتَ بشرةٍ بيضاءَ صافيةٍ، وشعرٍ أسودَ طويلٍ كالليلِ، وعيونٍ كبيرةٍ ورموشٍ طويلةٍ. ابتسمَتِ العنقاءُ باستحياءٍ، ثمَّ اقتربَتْ وسلَّمتْ عليهما باليدِ وقالت: العنقاء: "حللتنَّ أهلًا ووطِئتنَّ سهلًا." ثمَّ أشارتْ لهنَّ نادرةُ بالجلوسِ، ثمَّ التفتَتْ إلى العنقاءِ وقالت: نادرة: "اذهبي يا ابنتي وحضِّري القِرَى لضيوفنا." عندما أرادتِ العنقاءُ الذَّهابَ قالتْ زبيدةُ لسراب: زبيدة: "اذهبي يا سرابُ معها، وخذي معكَ الأكلَ الذي أحضرناه." وقفتْ سرابُ لتذهبَ معَ العنقاءِ، فقالتِ العنقاء: العنقاء: "ولكنَّها حاملٌ ويجبُ أن ترتاحَ، إلا لو كانتْ ستؤنسني فقط." ابتسمتْ زبيدةُ لها ثمَّ قالت: زبيدة: "حسنًا، افعلا ما يريحكما." ذهبَتْ كلٌّ من العنقاءِ وسرابَ للمطبخِ، وبَقيتْ زبيدةُ ونادرةُ تتحدَّثانِ. زبيدة: "أنا زبيدةُ بنتُ همَّامٍ، ابنتكِ جميلةٌ جدًّا." نادرة: "وأنا نادرةُ بنتُ نافعٍ، فعلًا هي كذلكَ، ولكنْ ماذا يفيدُ؟ كلُّما خطبها أحدٌ رفضتْ!" زبيدة: "آه، إنِّي أفهمكِ جيدًا، لديَّ مَن يملكُ نفسَ التَّفكيرِ." نادرة: "شبابٌ لا يعلمونَ مصلحتهم!" زبيدة: "عنيدٌ، لا يفعلُ إلا ما تمليهِ عليهِ نفسُه." نادرة: "والتي عندي فاقتِ العنادَ، وماهرٌ يفعلُ كلَّ ما تريده." زبيدة: "اللهُ يهديهم، مُتعبونَ حقًّا." في المطبخ: كانتِ العنقاءُ تحضِّرُ الأكلَ الذي ستقدِّمهُ للضُّيوفِ، وهي كذلكَ إذ قالتْ سراب: سراب: "لا تُكثري يا..." العنقاء: "العنقاءُ، اسمي العنقاء." سراب: "اسمكِ جميلٌ يا العنقاءُ، مَن الذي سمَّاكِ هكذا؟" صمتتْ لمدةٍ قصيرةٍ ثمَّ تنهَّدتْ وقالت: العنقاء: "الذي أذكرهُ أنَّ أبي مَن سمَّاني هكذا." سراب: "أمَّا أنا فإنَّ أشهلَ مَن ألحَّ على أبي ليُسميني بهذا الاسم." العنقاء: "اسمكِ جميلٌ أيضًا." سراب: "هذا من حسنِ ذوقكِ، لا تُكثري يا العنقاءُ، فإنَّنا لا نأكلُ كثيرًا وهذا ممَّا يعرفهُ النَّاسُ عنَّا فلا يُكثرون." العنقاء: "حسنًا." أكملتِ العنقاءُ تحضيرَها، وسرابُ أخذتْ تفكِّرُ لماذا كانَ أشهبُ مهتمًّا بأمرِ زيارتهم، ثمَّ قالت: سراب: "العنقاءُ، أتخرجينَ سافرةَ الوجهِ؟" التفتَتْ لها العنقاءُ وقالت: العنقاء: "كلاَّ." ثمَّ أكملَتْ ما كانتْ تفعل. سراب: "اممم، حسنًا." في مجلسِ الرِّجال: بعدَ أن جلسوا وتعارَفَ ماهرٌ معَ أشهلَ وأشهبَ، أخذوا يتحدَّثون عنِ التِّجارةِ والحِرَفِ والنَّسَبِ وممَّا ذلكَ، وأشهبُ بينهم لا يتكلَّمُ إلا إذا سُئلَ. وهم يتحدَّثونَ عنِ التِّجارةِ سألَ أصهبُ ماهرَ: أصهب: "هل كنتَ تاجرًا من قبلُ؟" ماهر: "تاجرتُ عندما كنتُ في شبابي في القماشِ، ولكني تركتهُ بعدَ ذلكَ وعملتُ في حرفةِ النِّجارة." أصهب: "والآنَ؟" ماهر: "والآنَ كبرتُ ولم أعدْ أستطيعُ أن أعملَ، وتعملُ عنِّي ابنتي." هزَّ أصهبُ بتفهُّمٍ ثمَّ قال: أصهب: "لي صديقٌ نجَّارٌ يحتاجُ مَن يُدرِّبُ بعضَ العاملينَ لديه، سأخبرهُ عنكَ." ماهر: "سأكونُ شاكرًا لكَ يا أصهب." أشهل: "لم أتوقَّعْ أن تكونَ تاجرًا مثلي وأبي يا عمُّ، كنتُ أظنُّكَ طبيبًا!" استغربَ ماهرٌ وقال: ماهر: "أليسَ أشهبُ تاجرًا أيضًا؟" أصهب: "لا، إنَّه قائدٌ في الجيش." في هذه اللحظةِ طرقتِ العنقاءُ البابَ لتعطيهم الأكلَ، فخرجَ لها ماهرٌ وأخذهُ منها وقال: ماهر: "شكرًا يا بنتي." ثمَّ أدخلهُ وعادتِ العنقاءُ للنِّساءِ، وكانتْ قد قدَّمتْ لهنَّ القِرَى من قبلُ. وبعدَ فترةٍ قصيرةٍ عادوا إلى بيتهم. في اللَّيل: جلسَ ماهرٌ معَ نادرةَ والعنقاءِ وقال: ماهر: "أخبرني أصهبُ أنَّ صديقًا له يبحثُ عن مَن يُدرِّبُ رجالًا لديه على النِّجارة." نادرة: "هذا خبرٌ سارٌّ! أخيرًا ستتخلَّصُ من الجلوسِ في البيتِ الذي تتذمَّرُ منه كلَّما جلستَ معي، وسأرتاحُ أنا." ضحكَتِ العنقاءُ، أمَّا ماهرٌ فنظرَ لها بنصفِ عينٍ ولم يجبْ وقالَ للعنقاء: ماهر: "إن يسَّرَ اللهُ واشتغلتُ معه، لن تُتاجري بعدَ اليوم." العنقاء: "لكَ ما تريدُ، فإنِّي لا أريدُ سوى راحتكَ." نادرة: "هل هذا يعني أنَّنا لن نعودَ لقريتنا؟" ماهر: "سنزورُ أهلها من فترةٍ لأخرى. أتاني رزقٌ يا امرأةُ، لا تُضيِّقي عليَّ." سكتتْ نادرةُ غيرَ راضيةٍ، وبعدَ مدَّةٍ قصيرةٍ ذهبَ كلٌّ منهم لينامَ. بعدَ يومينِ: بدأَ ماهرٌ يشتغلُ معَ صديقِ أصهبَ، وتيسَّرتْ له الأمورُ. في بيتِ أصهبَ بعدَ الظُّهر: كانَ أصهبُ جالسًا معَ امرأتهِ يشربانِ القهوةَ بصمتٍ حتى قالت: زبيدة: "أتعلمُ يا أبا أشهبَ أنَّ لدى ماهرَ ابنةً كالبدرِ؟ أفكرُ أن أخطبها لأشهب." أصهب: "أخبرني أن أمُهلهُ شهرًا، وإن لم يخترْ فسأُزوِّجهُ، فاصبري حتى ينتهي الشَّهر." في هذه اللحظةِ دخلَ عليهم أشهبُ وجلسَ بعدَ أن ألقى السَّلامَ وردُّوا عليه ثمَّ قال: أشهب: "قرَّرتُ أن أتزوَّجَ." ما إن قالَ هذا حتى عمَّ الصَّمتُ المكانَ، ثمَّ فجأةً احتضنتْ زبيدةُ أشهبَ بقوةٍ وهي تضحكُ بفرحٍ، وأصهبُ يبتسمُ، ثمَّ ابتعدتْ عنه وقالت: زبيدة: "أخيرًا يا أشهبُ! لقد هرمتُ وأنا أنتظرُ. هل أختارُ لكَ أنا أم لديكَ فتاةٌ في بالكَ؟" أشهب: "هل لديكِ أنتِ فتاةٌ مناسبةٌ؟" وقد كانَ يعلمُ أنَّها تريدُ العنقاءَ. زبيدة: "ابنةُ ماهرٍ النَّجَّارِ، ما رأيكَ بها؟" أشهب: "إن كانتْ تُعجبكِ فلتكنْ هي." أصهب: "حسنًا، سنذهبُ غدًا لهم، وسأخبرهُ بذلكَ حينَ ألقاهُ العصر." أشهب: "على خيرٍ إن شاءَ اللهُ." أصهب: "لا تُخبري أحدًا يا زبيدةُ حتى ينتهي الأمرُ على خير." زبيدة: "حسنًا." وبعدَ العصرِ التقى أصهبُ بماهرَ وأخبرهُ، وقالَ له ماهرٌ إنَّه ينتظره. في اليومِ التالي: ذهبَ أصهبُ وعائلتُهُ لخطبةِ العنقاءِ، وبالفعلِ تمَّتِ الخطبةُ، وردُّوا عليهم بعدَ ثلاثةِ أيَّامٍ بالموافقةِ وحدَّدوا العقدَ بعدَ شهرٍ. ويمرُّ أسبوعٌ على الخطبةِ: انتشرَ الخبرُ، وكانَ النَّاسُ بينَ متفاجئٍ وسعيدٍ وحاسدٍ. في السُّوقِ وقتَ العصرِ: حيثُ النَّاسُ متوافرونَ، كلٌّ يبحثُ عن رزقهِ. كانَ أشهبُ يسيرُ بالقربِ من سوقِ الخضارِ يريدُ شراءَ بعضِ الخضارِ لأمهِ. وقفَ على أحدِ الأسواقِ ينتقي، وهو كذلكَ إذ تأتيهِ فتاةٌ ذاتُ شعرٍ أحمرَ وعيونٍ خضراءَ وتصرخُ عليه: الفتاة: "تركتني يا أشهبُ بعدما كنتُ أنتظرُكَ!" استمرَّ أشهبُ في انتقاءِ الخضارِ وقالَ دونَ أن يلتفتَ لها: أشهب: "أنا لم أعدْكَ بشيءٍ، أنتِ مَن أوهمتِ نفسكِ. ثمَّ أظنُّ قلتُ من قبلُ إنِّي لا أريدُ نصرانيةً يا سجى." وقد كانتِ العنقاءُ على جاسرٍ تنظرُ لهما من بعيدٍ بحيثُ لا يريانها، فقد كانَ من قوَّتها أن لديها نظرًا وسمعًا خارقينِ. علا صوتُ سجى وقالت: سجى: "تتركني أنا الجميلةُ وتذهبُ لتلكَ العجوزِ الشَّمطاءِ، وأنا أصغرُ وأحلى!" استمرَّ أشهبُ بتجاهلها ومدَّ للبائعِ ما اختارَ لكي يزنَهُ له ويشتريهِ، وفي هذه اللحظةِ تشدُّ سجى أشهبَ حتى يصبحَ وجهُه في وجهِها، وتصفعُهُ على خدِّهِ الأيمنِ ممَّا جعلَ كلَّ مَن كانَ بجوارهم يشهقُ من الصَّدمةِ، واتَّسعتْ أعينهم حتى العنقاءُ وسجى نفسها فوجئتْ ممَّا فعلتْ، ووضعتْ يدها على فمها من الصَّدمةِ، وأصبحتْ عينا أشهبَ حمراوينِ من شدَّةِ الغضبِ، وهو يشد على قبضة يده بقوة نظرَ لها بشرٍّ وغضبٍ وهي تنظرُ له بخوفٍ وجسدها يرتعشُ. أشهب: "أغربِي عن وجهي! (ثمَّ صرخَ) الآنَ!" انتفضَ جسدها ثمَّ جرتْ من أمامهِ بسرعةٍ. أمَّا أشهبُ فقد أخذَ من البائعِ الذي كانَ يرتعشُ هو الآخرُ الخضارَ وحاسبهُ ثمَّ ذهبَ ليعطيهِ لأمه في صمت والغضب يكاد يتفجر مم وجهه. عندَ العنقاء: سارتِ العنقاءُ بعدما رأتْ أشهبَ يسيرُ إلى منزلهِ إلى الغابةِ التي كانتْ على الطَّرفِ الشَّماليِّ للمدينةِ. في الغابة: دخلتِ الغابةَ التي كانتْ من أجملِ غاباتِ المملكةِ، فقد كانتْ تتمتَّعُ بنباتاتٍ نادرةٍ وأشجارٍ طويلةٍ شديدةِ الخُضرةِ، ويكثرُ فيها الغزلانُ ويقلُّ فيها الحيواناتُ السَّامَّةُ. ظلَّتِ العنقاءُ تسيرُ معَ جاسرٍ بهدوءٍ وتفكِّرُ في لقائها الأوَّلِ معَ أشهبَ، ثمَّ تذكَّرتْ عندما قالَ إنَّ له سببًا آخرَ للزَّواجِ منها لم يذكرهُ، وظلَّتْ تفكِّرُ عن ماهيةِ هذا السَّببِ ثمَّ قالت: العنقاء: "سأعلمُ ما هو عاجلًا أو آجلًا، فلا شيءَ يظلُّ مختبئًا." ثمَّ لاحظتْ وهي تسيرُ بعدَ أن نزلتْ عن جاسرٍ وربطتهُ في أحدِ الأشجارِ بالقربِ منها، شابًّا وفتاةً نصرانيَّينِ مختبِئَيْنِ تحتَ شجرةٍ بعيدةٍ قليلًا يتحدَّثانِ، فعقدتْ حاجبيها في استنكارٍ وهي تنظرُ لهما. أحسَّتْ بأشهبَ خلفها قادمًا في اتجاهها، لكنَّها لم تلتفتْ له. اقتربَ منها وقال: أشهب: "لا يجوزُ التَّجسُّسُ." التفتتْ له وقالت: العنقاء: "ولا يجوزُ الخلوةُ بغيرِ المحارمِ والزَّوجة." ابتسمَ ومالَ بظهرهِ لها وقال: أشهب: "ستصبحينَ زوجتي بعدَ ثلاثةِ أسابيعَ." نظرتْ له بنصفِ عينٍ وقالت: العنقاء: "حتى ولو، ما لا يجوزُ لا يجوزُ." ثمَّ نظرتْ إلى مكانِ الصَّفعةِ وابتسمتْ من تحتِ اللِّثامِ. انتبهَ لها أشهبُ ووضعَ يدهُ على خدِّهِ ومطَّ شفتيهِ وقال: أشهب: "كانَ هذا بسببكِ!" اتَّسعتْ عيناها بدهشةٍ ثمَّ قالتْ باستهزاءٍ: العنقاء: "أكيدُ العجوزُ الشَّمطاءُ هي مَن أتتْ وطلبتكَ للزَّواجِ!" عقدَ حاجبيهِ باستغرابٍ وقال: أشهب: "وما أدراكِ أنَّها قالتْ هذا؟ رأيتكِ وأنا عائدٌ للبيتِ، ولكنكِ كنتِ بعيدةً." ثمَّ تفكَّرَ وقال: أشهب: "لا تفسيرَ لذلكَ إلا أنَّ سمعكِ قويٌّ جدًّا، ولا يمكنُ أنَّكِ سألتِ أحدًا، فقد سرتِ من فوركِ للغابةِ! هل هذا يعني أنَّكِ تتسمَّعينَ لجيرانكِ؟" العنقاء: "لا، لا أفعلُ. أستطيعُ أن أجعلَ سمعي طبيعيًّا." أشهب: "بالمناسبةِ، لم تقولي ما هي قواكِ." العنقاء: "ولن أفعلَ." أشهب: "لا بأسَ، سأعرفها بنفسي." نظرتْ له ببرودٍ ثمَّ سارتْ نحو جاسرٍ وحلَّتِ اللَّجامَ وركبتْهُ وهي تقول: العنقاء: "ألم يُخبركَ أحدٌ من قبلُ أنَّكَ ثرثارٌ؟" ثمَّ انطلقتْ بجاسرٍ عائدةً للمنزلِ، وأشهبُ ينظرُ لها مبتسمًا ومستغربًا من نفسه. وبعدَ أن ابتعدَتِ العنقاءُ كثيرًا، خرجَ لأشهبَ رجلٌ وبقيَ يُحدِّثهُ. بعدَ أسبوعٍ: كانتِ العنقاءُ تسيرُ معَ سرابَ في السُّوقِ يشتريانِ الملابسَ. وهما تسيرانِ نظرتِ العنقاءُ للسَّماءِ فرأتْ تنينَيْنِ يحملانِ بعضَ البضائعِ يُرسلانها لمكانٍ ما، فبعدَ آخرِ حربٍ اتَّجهَ الكثيرُ من الجنودِ لنقلِ البضائعِ والرَّسائلِ. وقفتا على أحدِ الأسواقِ تنتقيانِ ما تأخذانِ، وهما كذلكَ إذ قالتْ سراب: سراب: "اللهُ يعينكِ على كثرةِ صمتِ أشهبَ، فهو شبهُ لا يتحدَّثُ!" ابتسمَتِ العنقاءُ وهزَّتْ رأسها لها. اشترتا من هذا السُّوقِ ما تريدانِ، ثمَّ اتَّجهتا لآخر. وبعدَ أن وصلتا إلى السُّوقِ الآخرِ وجدتا فيه سجى وقد كانَ معها أختُها. قالتْ أولَ ما رأتِ العنقاءَ: سجى: "انظري يا سما! الفقراءُ يشترونَ من أسواقِ الأغنياءِ، يا للعجبِ!" أرادتْ سرابُ أن تردَّ عليها، ولكنَّ العنقاءَ أشارتْ لها بعينيها أن تتجاهلهما، ففعلتْ على مضضٍ. واستمرَّتْ سجى وسما ترميانِ الكلامَ، والعنقاءُ غيرُ مباليةٍ، وكذلكَ فعلتْ سرابُ عندما رأتهما مغتاظتينِ من ذلكَ. اشترتا ما تريدانِ، ثمَّ عادتا. بعدَ أسبوعينِ في اللَّيلِ: قامَ كلٌّ من ماهرٍ وأصهبَ بإعدادِ وليمةِ العرسِ التي حضرها الكثيرُ من النَّاسِ على مختلفِ طبقاتهم. وبعدَ انتهاءِ الوليمةِ، عادَ أشهبُ إلى منزلهِ الذي وصلتْ له العنقاءُ قبلهُ، وأوَّلَ ما دخلَ عليها رأى...