1- اللِّقاءُ
وفي مكانٍ ما على هذهِ القارَّةِ، وفي سوقِ إحدى المدنِ التَّابعةِ لمملكةِ التَّنانينِ الزُّرقِ [لكثرةِ التَّنانينِ الزُّرقِ بها]، مرَّتْ فتاةٌ ترتدي لباسًا أزرقَ غامقًا فضفاضًا، مُلثَّمةٌ لا يظهرُ منها سوى عينيها، تجرُّ خلفها حصانًا أسودَ كالَّليلِ من أندرِ سلالاتِ الخيلِ. وقفتْ بهِ على أحدِ أسواقِ الخضارِ وراحتْ تنتقي ما تُريدُ. وهيَ هكذا، إذ سمعتْ همسَ الرِّجالِ من حولها عن الحصانِ، ثمَّ اقتربَ منها أحدُ الرِّجالِ وكان يبدو عليه الرفعة في قومه وقال:
الرَّجلُ: "إذْ سمحتِ يا امرأةُ."
التفتتِ الفتاةُ لهُ وظلَّتْ تنظرُ لهُ منتظرةً ما سيقولُ. وكانتْ نظراتها حادَّةً وقويَّةً ممَّا جعلَ الرَّجلَ يرتبكُ، ولكنَّهُ قال:
الرَّجلُ: "هل يمكنني أن أعرفَ من أينَ لكِ هذا الحصانُ؟"
أجابته الفتاة وهي لاتزال تنظر في عينيه
الفتاةُ: "لا."
نظرَ لها الرَّجلُ وقد اتسعت عيناه متفاجئا من قولها وراح ينظر للرجال من حوله محرجا، ثمَّ قالَ:
الرَّجلُ: "حسنًا، هل يمكنني معرفةُ اسمكِ؟"
الفتاةُ: "اسمي لا يخصُّكَ."
امتعضَ وجهُ الرَّجلِ وبانَ عليهِ الغضبُ. في هذهِ اللحظةِ، تقدم شاب من بين الجموع واستل سيفه وضعَه على رقبتها وقال:
الشَّابُ: "يا لكِ من وقحةٍ! كيفَ تجرؤينَ على مخاطبةِ سيدِ قومنا بهذهِ الطَّريقةِ؟"
نظرتْ لهُ الفتاةُ ببرود ومن غير اهتمام للسيف الذي على رقبتها وعلمتْ من ملامحهِ أنَّهُ ابنُ الرَّجلِ. ثمَّ نظرتْ في وجوهِ بقيَّةِ الرِّجالِ فوجدتهم ينظرونَ إلى الحصانِ ثمَّ إلى بعضهم، فقالت:
الفتاةُ: "مِن الواضحِ أنَّكم لن تدعوني أذهبَ بسلامٍ."
الشَّابُ: "ليسَ إذا أعطيتِني الحصانَ."
تجاهلتْ كلامهُ وركبتْ حصانها. أخذتْ تُريدُ الذَّهابَ، فقفزَ الشَّابُ أمامها وأشهرَ السَّيفَ أمامَ الحصانِ وقال:
الشَّابُ: "لديكِ إحدى ثلاثٍ: إمَّا أن تبيعيهِ، أو تعطيهِ، أو أقتلهُ."
نظرتِ الفتاةُ إلى أبيهِ ووجدتْ علاماتِ الرِّضا على وجههِ، فعلمتْ أنَّها نزلتْ أرضَ سوءٍ فقالت:
الفتاةُ: "أو أقاتلُكَ بالسَّيفِ، فإنْ طرحتُكَ تركتَني أذهبُ؟"
نظرَ الشَّابُ إلى أبيهِ فوجدَ أنَّهُ ينظرُ إلى الفتاةِ باستخفافٍ فقال:
الشَّابُ: "حسنًا، الآنَ وهنا."
هزَّتِ الفتاةُ لهُ رأسها، ثمَّ اتَّجهتْ إلى شابٍّ مُلثَّمٍ كان امام أحد الاسواق، ينظرُ لهم منذُ البدايةِ، ووقفتْ أمامهُ ونزلتْ عن الحصانِ وقالتْ لهُ:
الفتاةُ: "هل أبقيهِ لديكَ حتى أنتهي؟"
نظرَ لها باستغرابٍ وقال:
الشَّابُ (الملثَّم): "وما يدريكِ أني لن أسرقهُ؟"
نظرتْ في عينيهِ للحظةٍ وابتسمتْ ثمَّ قالت:
الفتاةُ: "تفرَّستُ في عينيكَ خيرًا."
أخذَ الشَّابُ الحصانَ ولم يقلْ شيئًا.
الفتاةُ: "إذًا هل يمكنني أن آخذَ سيفكَ؟ فكما ترى لا أملكُ سيفًا."
صاحَ رجلٌ من الجموعِ: "أنا أُعطيكِ سيفًا!" فلم تُعِرهُ اهتمامًا لأنَّها تعلمُ أنَّهُ سيعطيها سيفًا رديئًا. استلَّ الشَّابُ (الملثَّم) السَّيفَ من غمدِهِ وأعطاهُ لها دونَ أن يقولَ شيئًا، فأخذتهُ ونظرتْ للسَّيفِ ثمَّ نظرتْ للشَّابِ نظرةً ذاتَ مغزى وابتسمتْ من تحتِ اللِّثامِ، ثمَّ اتَّجهتْ إلى الشَّابِ الآخرِ (الذي كانَ سيقاتلها).
استلَّ الشَّابُ سيفهُ أيضًا وتقابلا، والتفَّ عليهم البقيَّةُ عدَا الشَّابِ الملثَّمِ وقفَ ينظرُ من بعيدٍ. بدأَ التَّبارزُ بالسَّيفِ، وكلٌّ يضربُ ضربةً لو ضُرِبَ بها فيلٌ لسقطَ. ولكنْ ما هي إلا دقائقُ، وسيفُ الشَّابِ يسقطُ من يدهِ، ثمَّ تركلهُ فيسقطُ خلفَ سيفهِ ويجدُ حرفَ السَّيفِ على رقبتهِ، وعينينِ حادَّتَيْنِ تنظرانِ لهُ بشرٍّ، ثمَّ تنظرُ إلى أبيهِ وتقولُ:
الفتاةُ: "أتُحبُّ أن تراهُ مقتولًا؟"
أتى الرَّجلُ ليتكلَّمَ ولكنَّها صرختْ في وجههِ وقالت:
الفتاةُ: "اصمتْ!"
ارتبكَ الرَّجلُ من خوفهِ على ابنهِ وقال:
الرَّجلُ: "دعيهِ، ولكِ ما تُريدينَ."
الفتاةُ: "اخرج من هنا من غيرِ أن تتعرَّضوا لي."
الرَّجلُ: "حسنًا، لكِ ما أردتِ."
ألقتْ لهُ نظرةً مُحذِّرةً في حالِ فكَّرَ في الغدرِ، ثمَّ أبعدتِ السَّيفَ عن الشَّابِ وابتعدتْ عنهُ واتَّجهتْ نحو الملثَّمِ وتركتهم ينظرونَ في حالِ الشَّابِ. اقتربتْ من الشَّابِ الملثَّمِ وأعطتهُ سيفهُ وأخذتْ منهُ لجامَ الحصانِ.
الشَّابُ (الملثَّم): "ما اسمُهُ؟"
الفتاةُ: "جاسرُ."
ثمَّ ركبتْ حصانها وانطلقتْ بهِ خارجَ المدينةِ.
بعدَ ما يُقاربُ الثَّلاثَ ساعاتٍ، في وسطِ غابةٍ خضراء ذات أشجار كبيرة متسعة الفروع كانتْ تسيرُ فوقَ خيلها بهدوءٍ. ثمَّ إذ بها تقفُ وتنظرُ أمامها إلى أحدى الأشجار ثمَّ تقولُ:
الفتاةُ: "مَن هناكَ؟ اخرجْ، فإنِّي أسمعُ صوتكَ منذُ ساعةٍ."
خرجَ المختبِئُ وإذ بهِ الشَّابُ الملثَّمُ. نظرتْ لهُ باستغرابٍ منتظرةً ما سيقولُ. بقيَ ما يُقاربُ العشرَ دقائقَ ينظرُ للحصانِ ثمَّ قال:
الشَّابُ (الملثَّم): "لقد رأيتها وهيَ تتغيَّرُ."
حرَّكتْ رأسها لجهةِ اليمينِ وضيَّقتْ عينيها باستغرابٍ وقالت:
الفتاةُ: "ما هيَ؟"
الشَّابُ (الملثَّم): "عيناكِ."
اتَّسعتْ عيناها بتفاجئ للحظةٍ ثمَّ قالت:
الفتاةُ: "عمَّا تهذي؟"
الشَّابُ (الملثَّم): "أنا لا أهذي، وأنتِ تعلمينَ! رأيتُ عينيكِ تتحوَّلُ للونِ الرَّماديِّ للحظةٍ وأنتِ تقاتلينَهُ. ولا أحدَ يملكُ هذهِ القدرةَ إلا سكان المملكةَ المغدورةَ، وأصلًا لا يملكُ القدرةَ على تغييرِ لونِ العينِ غيرُهم. ولا تُحاولي الإنكارَ، فإنَّ لديَّ عينًا لا تُخطئُ."
ظلَّتْ تنظرُ لهُ وهو يتكلَّمُ وفي عينيها لمعةٌ من دمعٍ. وبعدَ أن انتهى سكتتْ لفترةٍ ثمَّ قالت:
الفتاةُ: "اسمُها مملكةُ العقبانِ، وإنْ كنَّا مغدورينَ رحمهم اللهُ جميعًا. ماذا تُريدُ أنتَ الآنَ؟"
الشَّابُ (الملثَّم): "رحمهم اللهُ. لا أريدُ الكثيرَ، أريدُ شيئًا واحدًا فقط."
الفتاةُ: "وما الذي يجعلكَ واثقًا بأنِّي سأفعلُ ما تُريدُ؟"
الشَّابُ (الملثَّم): "سأعقدُ معكِ صفقةً: تنفِّذي طلبي مقابلَ أن أحفظَ سرَّكِ."
الفتاةُ: "ما هذهِ الدَّناءةُ؟ ومَن قالَ لكَ أنِّي أُخفي هذا الأمرَ؟"
الشَّابُ (الملثَّم): "هذا واضحٌ، فلو لم تكوني تُخفينهِ لعلمَ بكِ الجميعُ. ثمَّ إنِّي أظنُّكِ تُخفينهِ كي لا تحدثَ حربٌ بسببكِ، لأنَّ ما زالَ هنالكَ مَن هو غاضبٌ لِمَا حدثَ قبلَ 15 سنةً. فلو ظهرتِ سيلتفُّونَ من حولكِ، ومِن ثمَّ سيُقاتلكِ حاكمُ هذهِ المملكةِ باعتباركِ خطرًا على مملكتِهِ، وعندها ستكونُ الحربُ وسيموتُ أبرياءُ من دمِ مملكتكِ لأجلكِ، وأظنُّكِ لا تُريدينَ ذلكَ.
الفتاةُ: "ماذا تُريدُ؟"
الشَّابُ (الملثَّم): "ما اسمُكِ أولًا؟"
تنهدتْ بنفاذِ صبرٍ وقالت:
الفتاةُ: "العنقاءُ."
الشَّابُ (الملثَّم): "بنتُ الخليفةِ؟"
الفتاةُ: "يبدو أنَّ لديكَ معلوماتٍ جيِّدةً عنَّا."
الشَّابُ (الملثَّم): "حسنًا، هذا أفضلُ."
العنقاءُ: "هل تعرفُني من قبلُ؟"
الشَّابُ (الملثَّم): "ربما"
العنقاءُ: "حسنًا، ماذا تُريدُ منِّي؟"
الشَّابُ (الملثَّم): أريد ...