الفصل الثاني
كانت هذه الليلة بالحفلة مريحة جدًا لتلك العائلة، حيث لم يشغل بالهم أي شيء أو حتى أي أحد. جلس الجميع وتحدثوا، لكن مناف نظر إلى ساعة يده السوداء من طراز «بلين» وقال بحزم وجدية:
ـ عدنان يا بُني، الساعة الآن الثانية عشرة وموعد نومك حان.
زفر عدنان بحنق وقال في نفسه:
"أوف… هذا الأب يلقي الأوامر فقط، وكأنه لا يعرف أن يفعل شيئًا غير ذلك… أوف… كم أتمنى لو أن عمي غسق كان أبي."
قطع عليه تفكيره غسق القائل:
ـ أوف يا مناف، ما بك يا رجل؟ دع الولد يسهر، هو الآن كبير.
لم يرد مناف عليه، لكنه نظر إليه بغضب، فتذكر غسق تلك المرة التي تدخل فيها بين عدنان ومناف:
"غسق، لا تتدخل في شؤون ابني لو سمحت. لقد رأيت كيف تعلمت أنت من قبل، رجاءً لا تتدخل وإلا لن تحب رد فعلي."
فانتفض واقفًا وقال:
ـ أنا أيضًا سأذهب لكي أرتاح، لأنني تعبت وأريد النوم.
سرعان ما ذهب الجميع تدريجيًا إلى غرفهم من أجل النوم، إلا مناف الذي خرج إلى حديقة المنزل التي كانت خضراء على مدّ البصر، وفي الجانب حوض سباحة. جلس على كرسي بجانب الحوض، وأخرج سيجارة من جيبه ليهمّ بالتدخين، لكنه تذكّر الشيخ وهو يقول: «المدخن نجس»، وهو لا يرضى أن يكون نجسًا، ليس من أجل نفسه بل من أجل دينه الإسلامي، فهو كان مرتبطًا ومؤمنًا بقلبه لدرجة أنه إذا فاته فرض بكى. عجيب هو، فعلى الرغم من كل القسوة والشدّة التي تعتليه، إلا أنه رقيق القلب. رمى سيجارته وقال بعمق:
ـ اللهم نسألك العفو والعافية في ديني ودنياي.
ظل جالسًا لفترة.
في هذه الأثناء كان غسق يجلس مع عدنان ويتحدثان عن الدنيا، وفي وسط حديثهما همس عدنان يسأل:
ـ عمي، لدي سؤال.
ـ تفضل.
ـ هل تشعر بشيء مريب يحدث هنا؟
ـ ما هو؟
ـ أبي وأمي يتجاهلان وجود بعضهما البعض.
قال غسق بودّ:
ـ لا، بالعكس، أعتقد أنهما بخير ولا توجد مشاكل.
هزّ عدنان رأسه بريبة محاولًا تجاهل الأمر، وهو يسحب الغطاء ويغطي نفسه، ثم قال لعمه:
ـ تصبح على خير يا عمي، أغلق الباب خلفك.
ـ هممم، أعتقد أنك تطردني بطريقة مهذبة! حسنًا، سأعفو عنك بمزاجي 🙂
قال كلامه وأغلق الباب خلفه وتنهد بعمق؛ فهو حقًا لاحظ طريقة تعامل مناف وزوجته ليلى، ويعتقد أن هناك مشكلة، لكنه لا يستطيع التدخل ولا حتى السؤال.
نزل غسق الدرج متجهًا إلى غرفته، لكنه لمح ظل أخيه يقف أمام المسبح بتلك البدلة والأناقة والهيبة. هو حقًا يحترمه، فهو في عينيه رجل حقيقي. تقدم من أخيه حتى صار خلفه وقال:مرحبًا.
ـ أهلًا.
ـ مناف، عذرًا، لكن عندي سؤال، لقد لاحظت…