اختراق
انطلقت كبسولات الطيران السوداء من منصة مملكة الشمال كسهامٍ انشقت عن الليل تطير بسرعه تخطف الأنفاس وتترك خلفها أضواء المملكة تتلاشى تدريجياً حتى تحولت إلى مجرد نقطة مضيئة في الأفق البعيد. داخل الكبسولة الرئيسية كان الصمت ثقيلاً لا يقطعه سوى الأنين الخافت للمحركات المعدلة وصوت لوحة التحكم الرقمية التي كانت تنبض بضوء أزرق خافت يعكس ملامح الوجوه الجادة والمليئة بالترقب.
كان آرثر يجلس واضعاً كفه على مقبض سيفه الفولاذي العتيق بينما كانت عيناه الفضيتان لا تفارقان الشاشة المركزية التي تعرض إحداثيات "المنطقة الرمادية". إلى جواره كانت لينا تتفقد ريشتها الذهبية المتصلة بقلادتها تشعر بثقل يضغط على صدرها فالتجربة السابقة علمتها أن عالم البشر لم يعد آمناً وأن المعركة القادمة لن ترحم أحداً.
في المقاعد الخلفية كان جيكوب يحدق في معصمه حيث يتوهج وشم العنقاء الجديد بخفوت تحت جلده كأنه قلب ثاني ينبض بالقوة بينما كان كاردان ذو الشعر الأبيض يجلس هادئاً كصنم وعيناه الحمراوان ترقبان الفراغ يصارع ما تبقى من برمجة المختبر في عقله مستمداً ثباته من طاقة جيكوب المتزنة.
تغيرت نبرة المحركات فجأة عندما أعلن أليكس عبر نظام الاتصال الداخلي بنبرة خافتة لكنها حازمة:
"استعدوا.. نحن ندخل الآن نطاق الغلاف الكيميائي للمنطقة الرمادية لقد قمت بتفعيل الدروع الماصة للموجات الرادارية ونظام عزل الترددات في أعلى مستوياته."
خارج النوافذ اختفى سواد الليل ليحل محله ضباب كثيف مائل للون الرمادي الداكن ضباب يفوح برائحة الكبريت والمواد الكيميائية المحترقة يغلف الجزيرة الملعونة كأنه جدار حيوي يحمي أسرار المنظمة وعلى الرغم من كثرة الرادارات الأرضية والمضادات الحرارية التي زرعتها المنظمة على طول الساحل إلا أن التعديل السحري والتكنولوجي لكبسولات جنود الشمال أثبت كفاءته المطلقة.
كانت الكبسولات تعبر الضباب كالأشباح تمر فوق خطوط الدفاع الحيوية للمنظمة دون أن تترك أي أثر على شاشات مراقبتهم ومصت الدروع العازلة كل إشارة لاسلكية حاولت الجزيرة إطلاقها لتحديد الهوية نظر آرثر من نافذة الكبسولة فراى شاطئ الجزيرة الأسود يقترب.
هبطت الكبسولات بنعومة فائقة وبلا صوت على الرمال السوداء الملوثةونزل الفريق بسرعة مستغلين عتمة الضباب الكثيف وغياب أي انتباه من الحراسة الخارجية تقدم أليكس النخبة من جنود الشمال سيوفهم مشحونة بطاقة العنقاء المكتومة بينما كانت إيلا تتحرك بخطى سريعة تحمل جهازاً رقمياً متطوراً مخصصاً لقرصنة الترددات الحيوية.
تحت غطاء الظلام والضباب، وصلوا سريعاً إلى المدخل الشرقي للمنشأة الأساسية وهو عبارة عن بوابة فولاذية عملاقة صُممت بطريقة لا يمكن اختراقها بالقوة العضلية أو النيران لم تكن هناك لوحة مفاتيح تقليدية بل شاشة حيوية متطورة تومض بضوء أحمر مستمر مصممة خصيصاً لمنع أي اختراق عسكري تقليدي.
تقدمت إيلا وبدأت أصابعها تتحرك بسرعة على جهازهاقائلة بصوت منخفض ومحذر:
"النظام هنا لا يعتمد على الأرقام السرية.. إنه يقرأ الترددات الحيوية لدماء الهجناء رافين صمم هذا المكان لكي لا يدخله سوى من يحملون الشيفرة الجينية للمشروع وأي محاولة للقرصنة العادية ستفجر إنذاراً يغلق المنشأة ذاتياً."
التفتت إيلا نحو جيكوب وكاردان مفسحة لهما المجال تقدم جيكوب بثبات ووضع كفه فوق الشاشة الحيوية في ثوانٍ بدأت الشاشة بتحليل دمه وتحول الضوء الأحمر إلى أصفر متذبذب حيث تداخلت طاقته الجديدة مع أنظمة المختبر لكن النظام أصدر طنيناً تحذيرياً خفيفاً يشير إلى عدم اكتمال البيانات.
في تلك اللحظة تقدم كاردان دون تردد ووضع كفه إلى جانب كف جيكوب امتزجت الطاقة الحمراء المنبعثة من كاردان مع طاقه جيكوب لتكتمل الشيفرة الجينية المعقدة التي كان يبحث عنها النظام التكنولوجي ساد صمت قصير حبس أنفاس الجميع ثم أصدرت البوابة صوتاً ميكانيكياً وبدأت الأقفال الفولاذية الضخمة بالتراجع لتفتح مدخلاً مظلماً يفوح برطوبة خانقة ورائحةالحديد.
دخل الفريق إلى الممرات الداخلية الشاسعةوكانت الجدران الخرسانية مبنية بدقة عالية وتنتشر عليها كاميرات وأجهزة استشعار حرارية داخلية. تحركت إيلا فوراً نحو وحدة التحكم الفرعية عند الممر الأول وقامت بتوصيل جهازها بالشبكة الرئيسية للمنشأة.
بفضل معرفتها العميقة بأنظمة التكنولوجيا البشرية بدأت إيلا بإرسال حزم بيانات وهمية لكتم إنذارات الحركة وتجميد صور الكاميرات في الأقسام الحيوية مما منح الفريق غطاءً مؤقتاً للتحرك في العمق فقالت لآرثر
"لقد نجحت في عزل هذا القطاع لكن الأمر لن يدوم لأكثر من عشر دقائق قبل أن يكتشف النظام المركزي وجود تلاعب في الشبكة علينا التحرك نحو القطاع الأوسط فوراً."
بينما كانوا يتقدمون بحذر مستغلين الثواني الثمينة سُمع فجأة صوت خطوات منتظمة تقترب من نهاية الممر الطويل دورية حراسة دورية لم تكن تعلم بوجودهم لكن الأقدار وضعتهم في نفس المسار. ظهرت من خلف المنعطفات مجموعات من حراس النخبة المعدلين جينياً يرتدون دروعاً سوداء ثقيلة وأعينهم تشع بنور أحمر ممسكين بأسلحة هيدروليكية قاطعة.لم يكن هناك مجال للاختباء في الممر الضيق. اندلعت المواجهة الأولى التقى فولاذ أليكس وجنوده بدروع الحراس واشتعل الممر بشرارات النيران والاصطدامات العنيفة المكتومة.تراجع جيكوب لحماية لينا بينما أطلق آرثر موجة حرارية بيضاء جمدت حركة خطوط الدفاع الأولى للحراس دون إحداث انفجار كبير ليفسح المجال للفريق للاندفاع نحو قلب الجحيم حيث ينتظرهم الرأس المدبر وأسرار البوابة الكونية.