ندبة الجمر - القصر والعهد الجديد - بقلم nada | روايتك

اسم الرواية: ندبة الجمر
المؤلف / الكاتب: nada
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: القصر والعهد الجديد

القصر والعهد الجديد

لم يكن المكان الذي قادتني إليه سيارة جلال حكاياتٍ من ألف ليلة وليلة، بل كان أشبه بقلعة حصينة مشيدة من الرخام الأسود والزجاج الداكن، تقبع في أرقى أحياء المدينة البعيدة عن ضوضاء الشوارع التي سحقتني. قصرٌ يفوح منه عبق الثراء الفاحش والسلطة المطلقة، لكنه يحمل أيضاً بروداً يخترق العظام. في الليلة الأولى، لم يسألني جلال شيئاً. أمر خادمته العجوز "صفيّة" بأن تأخذني. أتذكر جيداً كيف كان الماء الدافئ ينساب على جسدي النحيل في ذلك الحمام الفاخر، وكأن الطين والأوساخ التي علقت بجلدي طوال شهر كامل كانت تقاوم الخروج. صرخات الألم، برد الأرصفة، نظرات الاشمئزاز من عائلتي.. كل شيء كان يذوب مع الماء وينزل في البالوعة، إلا شيئاً. واحداً؛ ذلك العقرب الأسود على معصمي الأيمن. كان ثابتاً، يزداد وضوحاً كلما نظف جلدي، كأنه يرفض أن يُمحى. في الصباح التالي، جلستُ خلف طاولة طعام ضخمة تملؤها أصناف لم أسمع عنها في حياتي. كان جلال يجلس عند رأس الطاولة، يرتدي بذلة أنيقة، ويقرأ صحيفة الصباح بهدوء. عندما دخلتُ بخطوات مترددة، أشار إليّ بالجلوس. بقيتُ صامتة، وعيناي معلقتان بطبقي. وضع صحيفته جانباً، ونظر إليّ بعينيه الصقريتين وقال ببرود نافذ: "في عالمي يا ليال، هناك نوعان من البشر: الذئاب والخراف. الخراف تنتهي دائماً كوجبة عشاء، والذئاب هي من تحكم. لقد رأيتُ في عينيكِ تحت الجسر بريقاً لا تملكه الخراف. أنتِ تريدين نهش حنجرة من آذاكِ، أليس كذلك؟" أومأتُ برأسي الصغيرة بقوة، وشعرتُ بغصة حارة في حلقي. ابتسم ببرود وأكمل: "جيد. أنا سأمنحكِ الأنياب والمخالب. سأعلمكِ كيف تتحدثين كالسيدات، كيف تفكرين كالفلاسفة، وكيف تقتلين. كالمحترفين. سأعطيكِ أفضل المدرسين والمدربين. لكن في المقابل، أريد منكِ الولاء المطلق.. لي، ولعملي. هل اتفقنا؟" نظرتُ إلى معصمي المشوه، ثم رفعتُ نظري إليه وقلت بصوت لم أعهده في نفسي من قبل، صوت حاد وخالٍ من الطفولة: "اتفقنا."