إنكشاف الحقيقة
مرت الدقائق الثقيلة بسرعة مجنونة، وعدنا أدراجنا من ذلك المبنى الغامض. قمت بنقل حقيبتي الجلدية وأغراضي القليلة إلى الجهة الأخرى من الميتم حيث تقع غرفتي الجديدة في جناح الكبار. ويشاء السميع العليم أن يكون زميلي الجديد في السكن فتى غريباً أيضاً. تحدثنا معاً بصعوبة بالغة في البداية؛ فقد كان قد وصل إلى مرحلة متقدمة وصعبة جداً من الجمود الاجتماعي والإنعزال، بينما كنت أنا قد وصلت إلى "ليفل الوحش" في ذلك البرود المقيت. استمر حديثنا المتقطع لساعتين كاملتين، عرفت خلالهما أن اسمه "تايلور" ويبلغ من العمر 16 سنة، وعلى عكسي تماماً، هو لا يريد من هذه الدنيا ومصائبها سوى حياة هادئة ومستقرة ومجرد سرير دافئ داخل جدران الميتم.
تأخر الوقت كثيراً، فتوجهت نحو قاعة الطعام لتناول وجبة العشاء برفقة آليكس؛ أختي التي لا تعرف حتى هذه اللحظة حقيقة أنني شقيقها الذي يشاركها نفس الدماء ونفس الأب العبقري. جلسنا في زاوية مظلمة ومنعزلة من القاعة وتحدثنا طويلاً بلهجة خافتة، فقالت بنبرة يملؤها الحزن والإنكسار إنها قضت سنوات تبحث في الأوراق القديمة والجرائد المهترئة عن أبيها جيمي، وعن الطريقة البشعة التي مات بها، لكنها لم تجد أي أثر ملموس أو حقيقة تشفي غليلها. وأكملت قائلة إنها سمعت بعض الشائعات التي تدعي أن انقطاع الأجهزة الكهرومغناطيسية الشامل الذي ضرب العالم وشل حركته قبل 6 سنوات كاملة، كان بسبب فشل ذريع لمشروع علمي سري كان يديره في خفية، وسمعت أيضاً أن ابن جيمي هانسن الصغير قد مات في ذلك اليوم المشؤوم وهو يحاول ببطولة غبية إنقاذه من وسط النيران المشتعلة. أمسكت نَفَسي بصعوبة وقلت في نفسي بسخرية سوداوية لا يعلمها إلا الله: "أنا لست بهذا الغباء لأموت حرقاً من أجل هدف مستحيل علي أن أنجزه!". لكنني تظاهرت بالبراءة والجهل المطلق، وساعدتها على إكمال هذه الخرافات والشائعات لأبعد الشبهات عني، فقلت لها بنبرة هادئة ومحايدة: "لابد أن ابنه ما زال حياً يرزق في مكان ما من هذا العالم، فقد كان في الثامنة من عمره وقتها، وربما كان ذكياً واستطاع النجاة بطريقة ما". نظرت إليّ آليكس فجأة وهي في حالة من الذهول الشديد والصدمة، وتوسعت عيناها الزرقاوان ثم تمتمت قائلة بنبرة مرتعشة: "إذاً.. هو بنفس عمرنا الآن!". سألتها بملامح جامدة مستغرباً: "أنتِ ومن؟". فردت وعيناها تلمعان بدموع محبوسة: "أخي.. وأنا".
عدت إلى غرفتي بعد ذلك العشاء الثقيل، واستلقيت على السرير متظاهراً بالنوم، وانتظرت حتى غرق تايلور في نوم عميق وعم السكون التام أرجاء المبنى. تسللت بخفة وهربت من النافذة مستغلاً ظلام الليل الدامس، وتوجهت راكضاً في الأزقة نحو المختبر القديم؛ فليس هناك مكان في هذا الكون الفسيح أفضل للعمل والهروب من واقع البشر كالمختبر. هذا ما ظننته على الأقل حتى وصلت إلى غايتي! وقفت أمام الباب الحديدي الضخم، أزحت الغبار المتراكم الذي يغطي لوحة الأرقام الرقمية، وبدأت أكتب الرموز السرية بحذر شديد.. الرمز الأول، فالثاني، فالثالث، فالرابع، فالخامس، فالسادس، حتى نسيت من كثرة التوتر والتركيز كم كان عددها ككل.
انفجر قفل الباب الإلكتروني بصرير حاد ومزعج كسر صمت المكان، ودخلت إلى القبو المظلم وأنا أتنفس الصعداء وأمسح العرق عن جبيني. لكن، قبل أن أتحرك خطوة واحدة إلى الداخل مستمتعاً بنصري، تجمدت في مكاني كصنم من ثلج، عندما انبعث صوت مألوف وصاعق من خلفي مباشرة وسط الظلام الدامس.. لقد كان صوت آليكس! كانت تقف عند أعلى مدخل السلم، وتنظر إلى الأجهزة والمخططات العملاقة والآلات الفيزيائية بذهول تام ورعب وهي تقول بنبرة ترتجف من هول الصدمة:
"ما هذا المكان بحق الجحيم؟!........
يتبع...