ملاك من جهنم
في اللحظة التي شعرتُ فيها أنني سأُسحق مجدداً، دوّى صوت فرملة إطارات عنيفة هزت أركان المكان. انبعثت أضواء كاشفة قوية من سيارة سوداء ضخمة فاخرة توقفت فجأة عند حافة الرصيف، لتعمي أبصارنا.
فُتح الباب، وترجل منها رجل فارع الطول، يرتدي معطفاً أسود طويلاً من الصوف الفاخر. كان يتحرك بهيبة وثقة مرعبة. خلفه، ترجل رجلان ضخمان يرتديان بذلات سوداء، وفي ثوانٍ معدودة وبدون أي كلمة، انقض الحارسان على المشردين الثلاثة. لم يستغرق الأمر سوى ضربات معدودة حتى سقط المشردون على الأرض يئنون من الألم قبل أن يلوذوا بالفرار كالكلاب الشاردة.
بقيتُ في مكاني، أرتجف، واضعة يدي السليمة فوق وشمي، وأنظر إلى الرجل ذو المعطف الطويل.
تقدم نحوي بخطوات بطيئة ومنتظمة. امتد ظله الطويل ليغطيني بالكامل. انحنى على ركبته ليصبح في مستوى نظري. كانت ملامحه حادة كالسيف، في الأربعينات من عمره، وعيناه غائرتان تحملان نظرة باردة ونافذة، لكنها لم تكن تحمل ذلك الشر المقزز الذي رأيته في وجوه الآخرين.
نظر إلى وجهي المتسخ، ثم هبطت عيناه بدقة نحو معصمي الأيمن المكشوف. استقر ت نظراته على وشم العقرب الأسود. رأيتُ فكّه يتحرك بقسوة، ولمعت في عينيه شرارة غضب غامضة سرعان ما أخفاها.
"ما اسمكِ يا صغيرة؟" سألني بصوت جهوري، عميق وبارد، لكنه هادئ.
"ليال.." همستُ بجسد يرتجف من البرد والخوف.
"من فعل هذا بيدكِ؟" سأل وهو يشير برأسه إلى الوشم دون أن يلمسه.
"رجل شرير.. في المستودع.. وعائلتي طردتني بسببه،" قلتها والدموع تخونني لأول مرة منذ أسابيع.
أخرج منديلًا حريرياً أبيض من جيبه، ومسح به قطرة دم كانت تسيل من جرح صغير في جبهتي برفق غير متوقع. ثم وقف مستقيماً، ونظر إليّ مطولاً قبل أن يقول:
"أنا أدعى (جلال).. ومنذ هذه الليلة، لن يجرؤ أحد في هذه المدينة على إيذائكِ مجدداً. لكن عليكِ أن تختاري الآن.. هل تبقين هنا لتموتي برداً، أم تأتين معي لتتعلمي كيف تسحقين العقارب؟"
نظرتُ إلى يده الممدودة نحوي.. لم تكن يد أبٍ، ولا يد ملاك، كانت يد رجُل يفوح منه الموت والقوة. نظرتُ إلى معصمي المشوه، ثم رفعتُ يدي الصغيرة القذرة ووضعتها في يده الكبيرة الدافئة.
ابتسم جلال ابتسامة غامضة، والتفت يقودني نحو سيارته الفاخرة. ركبتُ في المقعد الخلفي، وبينما كانت السيارة تتحرك مبتعدة عن الجسر المظلم، نظرتُ عبر الزجاج إلى الشوارع التي عذبتني، وشعرتُ بأن "ليال" الطفلة قد ماتت ودفنت تحت ذلك الجسر، وأن شيئاً آخر، مظلماً وقاسياً، يولد الآن في داخلي.