مدرسة الأرصفة
مرت ثلاثة أسابيع.. ثلاثة أسابيع بدت لي وكأنها ثلاثون عاماً من الجحيم المستمر. تحول الرصيف إلى سريري، والسماء الملبدة بالغيوم إلى سقفي، وحاويات القمامة خلف المطاعم الكبرى إلى مصدري الوحيد للبقاء على قيد الحياة.
في الأيام الأولى، كنتُ أبكي خلف حاويات النفايات، أراقب الأطفال في عمري وهم يمسكون بأيدي أمهاتهم، يرتدون ملابس نظيفة، ويضحكون. كنتُ أنظر إلى معصمي، حيث العقرب الأسود قد جفّ دمه وترك ندبة داكنة مشوهة، فأشعر بنبضات الألم تذكرني بكل ما خسرته. تعلّمتُ سريعاً أن البكاء في الشارع ضعف، والضعف هنا يعني الموت.
تحولت ثيابي الممزقة إلى أسمال بالية يغطيها السواد، واكتسب وجهي لون الغبار. لم أعد تلك الطفلة التي تخاف الظلام، بل أصبحت جزءاً منه. تعلمتُ كيف أختبئ من عيون رجال الشرطة، وكيف أفرّ من نظرات الرجال الجائعين الذين كانوا ينظرون إلى جسدي الصغير بنظرات أفهم غريزياً أنها تحمل ذات الشر الذي رأيته في تلك الليلة بالمستودع.
وفي الليلة التي أتممتُ فيها أسبوعي الرابع في الشارع، كادت رحلتي أن تنتهي قبل أن تبدأ.
كنتُ أحتمي من برود الليل تحت جسر حديدي قديم في أطراف المدينة، أضم ركبتيّ إلى صدري لأستمد الدفء من جسدي النحيل. فجأة، حاصرتني ثلاثة ظلال. ثلاثة من المشردين البالغين، تفوح منهم رائحة الخمر الرخيص والوحشية.
"انظروا ماذا لدينا هنا.. عصفور صغير ضائع،" قال أحدهم وهو يتقدم نحوي بابتسامة صفراء مقززة.
تراجعتُ حتى التصف ظهري بالعمق الإسمنتي للجسر. لم أعد أملك القدرة على البكاء، لكن الرعب شل حركتي. أخرج أحدهم سكيناً صغيراً وقال بفحيح: "سلمينا ما تملكين، أو سنأخذ شيئاً آخر.."
أمسكني أحدهم من ذراعي اليمنى بعنف، فانكشف معصمي تحت ضوء عمود إنارة خافت. لمح زعيمهم وشم العقرب الأسود. توقف فجأة، واتسعت عيناه بـذهول ممزوج بالخوف.
"انتظر! انظر إلى يدها.. هذا وشم عصابة
العقارب'!" قال وهو يتراجع خطوة للوراء.
لكن الآخر لم يهتم: "إنها مجرد طفلة مشردة، من سيهتم لأمرها؟" وانقض عليّ ليمسك شعري. صرختُ بكل ما أوتيتُ من قوة، مدافعة عن نفسي بأظافري وأسناني، لكن الفارق في القوة كان ساحقاً.