ندبة الجمر - جدران من جليد - بقلم nada | روايتك

اسم الرواية: ندبة الجمر
المؤلف / الكاتب: nada
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: جدران من جليد

جدران من جليد

سحبتُ جسدي المرتجف عبر الشوارع المظلمة، كانت خطواتي الصغيرة ثقيلة كأنني أجر سلاسل من حديد. المطر الذي انهمر بغزارة غسل الدماء عن ساقيّ، لكنه لم يستطع أن يغسل البرد القارس الذي استوطن أعماقي. كل ما كان يدور في عقلي الصغير ذي السنوات التسع، هو وجه أمي، ورائحة سريري، والأمان الذي ينتظرني خلف باب بيتنا الخشبي الأخضر. وصلتُ أخيراً. ارتميتُ بجسدي المنهك على الباب، وضربته بقبضتي اليسرى السليمة بكل ما تبقى لي من قوة ضئيلة: "ماما.. افتحي.. أنا ليال." لم يمضِ وقت طويل حتى فُتح الباب بعنف، لكن لم يكن وجه أمي الدافئ هو ما استقبلني، بل كان وجه أبي الواجم، وعيناه المحمرتان غضباً وقلقاً تحول فجأة إلى ذهول مرعب وهو ينظر إلى ثيابي الممزقة، وشعري المبتل الملتصق بوجهي المغطى بالتراب. "أين كنتِ يا فاجرة حتى هذه الساعة؟!" زأر بصوت مكتوم وهو يجذبني من ذراعي إلى داخل الرواق الضيق، ملقياً بي على الأرض. خرجت أمي من المطبخ تهرول، ملامحها مخطوفة، تلتها نظرات أخي الأكبر "مروان" الشامتة والقاسية. ارتميتُ نحو أمي، أمسكتُ بطرف ثوبها وأنا أنتحب: "مامي.. هناك رجل شرير.. في المستودع.." قبل أن تُمد أمي يدها إليّ، صرخ أبي فيها بصوت أشبه بالرعد: "ابتعدي عنها! انظري إلى ثيابها.. انظري ماذا جلبت لنا!" انحنى أخي مروان يمسكني بعنف من معصمي الأيمن ليرفعني، لكن صرختي من الألم هزت أركان المنزل. تراجع خطوة إلى الوراء وهو يشير بإصبعه بـاشمئزاز: "أبي.. انظر إلى يدها.. ما هذا القرف؟!" تجمعت العائلة كلها حول معصمي الصغير. كان العقرب الأسود يبدو واضحاً ومرعباً فوق جلدي المحمر النازف. تراجعت أمي خطوتين إلى الوراء، ووضعت يدها على فمها لتكتم صرخة رعب، ونظرت إليّ وكأنني مسختُ شيطاناً، ولم تتقدم خطوة واحدة لحمايتي. "وشم؟!" همس أبي بصوت يرتجف، ليس حزناً عليّ، بل رعباً من الفضيحة. "بنت التسع سنوات تعود في منتصف الليل وعليها وشم عصابات؟. ماذا فعلتِ؟ مع من كنتِ؟! لقد لوثتِ شرفنا في الوحل!" "أنا لم أفعل شيئاً.. هو من امسكني.. هو من فعل هذا.." بكيتُ وتوسلتُ، وأنا أزحف على ركبتيّ نحو أبي، لكن ركلته القاسية على صدري أعادتني إلى الخلف لتصطدم رأسي بالحائط. "أنتِ عار!" صرخ أخي مروان، محرضاً أبي: "إذا عرف الجيران أو أقاربنا بهذا، لن يستطيع أحد منا رفع رأسه في هذه المنطقة. البنت فُضحت، والوشم دليل على أنها أصبحت ملكاً للشوارع!" التفت أبي إلى أمي التي كانت تبكي بصمت جبان، وقال ببرود يقطع الأنفاس: "هذه البنت ماتت اليوم. ليس لدي ابنة بهذا الاسم." قبل أن أستوعب كلماته، انقض عليّ أخي، وسحبني من شعري بقسوة عبر الممر، وأنا أصرخ وأتوسل أمي أن تنقذني، وأتعلق بحواف الأثاث بأظافري الصغيرة. فتح باب المنزل الخشبي، والقى بي خارجاً على الرصيف البارد تحت المطر المنهمر. "إياكِ أن تعودي، وإن رأيناكِ قرب هذا الشارع سنذبحكِ لغسل عارنا،" قال مروان بفحيح يشبه فحيح الأفاعي، قبل أن يصفع الباب في وجهي بقوة، ويقفل الترباس الحديدي من الداخل. بقيتُ هناك، ملقاة على الإسمنت البارد، المطر يختلط بدموعي وبدم معصمي. نظرتُ إلى الباب المغلق، ثم إلى العقرب الأسود على يدي.. في تلك اللحظة بالذات، توقفت دموعي، وشعرتُ بأن قلبي الطفولي قد تحجر تماماً. لقد طردوني لأنني الضحية، ومنذ تلك الثانية، أقسمتُ أن أعيش لأجعلهم يبكون دماً على اللحظة التي أغلقوا فيها هذا الباب.