ندبة الجمر - غرزة الحبر الأولى - بقلم nada | روايتك

اسم الرواية: ندبة الجمر
المؤلف / الكاتب: nada
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: غرزة الحبر الأولى

غرزة الحبر الأولى

كانت الساعة قد تجاوزت الحادية عشرة ليلاً، والمطر يجلد زجاج النوافذ المكسورة في ذلك المستودع المهجور عند أطراف المدينة. لكن البرد الذي كان ينخر عظامي لم يكن بسبب الطقس، بل كان برد الخوف؛ ذلك الخوف الشديد الذي يجعل الأطراف الصغيرة تتصلب والعقل يتوقف عن الاستيعاب. كنتُ في التاسعة من عمري فقط. في ذلك العمر، أكبر مخاوفي كان الظلام الدامس تحت السرير، أو توبيخ المعلمة في المدرسة. لم أكن أعرف أن هناك وحوشاً بهيئة بشر تعيش خارج حكايات الجدات المرعبة. في تلك الليلة، ذُبحت طفولتي على أرضية إسمنتية قذرة تفوح منها رائحة الرطوبة، والتبغ الرخيص، والأنفاس الثقيلة لرجُل ضخم لم أرَ من ملامحه سوى عينين جاحظتين كالجمر. "اششش.. إياكِ والصراخ، وإلا دفنتكِ هنا ولن يجدكِ أحد." أنفاسه المقززة الكريهة كانت تضرب وجهي وهو يثبّت جسدي الهزيل بيده الضخمة التي كانت قادرة على طحني بالكامل. حاولتُ المقاومة، تلوّيتُ تحت ثقله كعصفور صغير سقط بين براثن صياد، لكن ضعفي كان مطلقاً. شعرتُ بروحي تُنتزع مني، وبأن شيئاً ما في داخلي ينكسر ويتحول إلى حطام، دون أن أفهم تماماً ما الذي يحدث، سوى أنني أموت. لم يكتفِ بما فعل. بعد أن خمدت ثورته المجنونة، تنحى جانباً وهو يتنفس بصوت عالٍ. لم يرحل ويتركني لحالي. التفتَ إلى حقيبة جلدية صغيرة كان قد أحضرها معه، وأخرج منها جهازاً معدنياً غريباً يصدر أزيزاً حاداً ومستفزاً.. أزيز يشبه طنين ذبابة ضخمة حُبست في زجاجة. أمسك بمعصمي الأيمن بعنف جعل عظامي الصغيرة تطقطق. بكيتُ بصوت مخنوق، ناديتُ على أمي في سري، ورجوته غريزياً: "أرجوك.. يدي تؤلمني.. دعني أذهب للمنزل." لم يستمع لرجاء طفلة تـرتجف. غرس إبرة الآلة بصلف في جلدي الطري النحيل. صرختُ صرخة مزقت حنجرتي، كانت الإبرة تتحرك بقسوة وتؤدة، تغرز الحبر الأسود بعمق ليمتزج بدمائي. كان يبتسم بخبث وهو يرى دموعي تبلل الأرض الترابية، ويهمس ببرود مرعب: "هذه علامتي.. لكي لا تنسي أبدًا من يملككِ. كلما نظرتِ إلى يدكِ الصغير هذه، ستتذكرين عمكِ جيداً." استغرق الأمر دهراً من العذاب، دقات قلبي كانت تتسارع مع كل غرزة حبر، وجسدي ينتفض تحت يديه. وعندما انتهى، أطلق سراح معصمي بـاحتقار. رفعتُ يدي بـارتجاف ونظرتُ بضبابية عبر دموعي؛ كان هناك عقرب أسود صغير، ذيله مدبب كأنه نصل خنجر، محاط بجلد أحمر متهيج ينزف دماً مخلوطاً بالحبر الأسود. قام بركل كتفي بخفة وهو يجمع أدواته، ثم التفت والقى عليّ نظرة أخيرة باردة قبل أن يختفي في عاصفة الليل، تاركاً وراءه صدى خطواته الثقيلة، وصوت المطر، وطفلة في التاسعة من عمرها، جُردت من كل شيء، وتحمل على جسدها الغض وشم العار الذي سيغير مجرى حياتها إلى الأبد.