العربة المظلمة ورفيق الطريق الجديد
**الفصل الرابع: العربة المظلمة ورفيق الطريق الجديد**
بعدما دخلتُ إلى تلك العربة المظلمة، كان هناك شيء واحد يلمع فيها، وهو الخاتم الفضي الذي كانت تتوسطه خرزة كبيرة. بدأتُ أقول لتلك الخرزة: "لم أكن أعرف حقيقة أبي الذي كنتُ أناديه بصوتي الخشن: يا أبتي". تلك النعمة، والابتسامة التي كانت لا تفارق وجهه.. ولكنني الآن فهمت. أضفتُ: "حتى وإن لم يكن أبي، فالأطفال يُباعون لمربياتهم، لكنه لا يبيع ولا يقتل".
انفتح باب العربة بصرير هادئ، فدخل ضوء القمر الشاحب، وتسلل الضباب إلى الداخل ليلف أطراف رداء سوفيرا الأسود. نظرت سوفيرا إلى العجوز بعينين واسعتين يملؤهما الحزن والطيبة، وقبضت بيدها برفق على الخاتم الفضي في جيبها، ثم قالت بصوت خافت ونبرة صادقة: "سأخرج، ولكن قبل أن تتركني لهذا الليل، أخبرني بطيبتك؛ هل هذا الظلام الذي أرسلني إليه أبي هو عقاب لأنني تركتُ شري، أم أنه الطريق الوحيد لأجد عائلتي التي ينتمي إليها هذا الخاتم؟". صمت العجوز قليلاً ونظر إلى دموعها التي لم تجف، ثم مد يده ليساعدها على النزول وقال بصوت أجش: "يا ابنتي، الظلام لا يفرق بين الطيب والشرير، لكنه يخشى من يملك الحقيقة. اخرجي، فالمكان الذي وصلنا إليه لا يستقبل إلا الصادقين مع أنفسهم".
نزلت سوفيرا، فلامست قدماها الأرض الباردة، وشعرت بأنفاس الطبيعة من حولها كأنها ترحب بقدوم الملكة التي فككت قيودها لتبدأ البحث الحقيقي. التفتت إلى العجوز بنظرة مليئة بالطيبة الممزوجة بالحزن وقالت له بصوت خافت: "لكن أخبرني، هل هذا المكان هو الذي سيعيد رائحة عائلتي؟". لم يبتعد العجوز، بل وقف بجانبها وأمسك بمصباح خافت يصارع عتمة الليل، ثم نظر إليها بوقار: "امشي بجانبي يا ابنتي ولا تنظري إلى خلفكِ أبداً، فالعربة التي أتت بكِ إلى هنا لن تعيدنا إلى هذا المكان، والطريق أمامنا طويل".
بدأت تمشي بخطوات هادئة ورداؤها يُجر خلفها على الحجارة، والعجوز يرافقها بصمت مهيب. كانت تشعر ببرد الليلة يخترق عظامها، لكنها كانت تضم يدها على الخاتم الفضي في جيبها وكأنها تستمد منه الدفء والشجاعة لتواجه ما يخبئه لها هذا المسار الغامض. فجأة، انطفأ المصباح حيث كانت سوفيرا تستمد من الخاتم الفضي الشجاعة والدفء. خيّم الظلام القاتم، وتوقفت أنفاس سوفيرا، وجلست أمام العربة الخشبية التي كان يجرها حصان يصهل بصوته الخشن. بدت على العجوز علامات الاستفهام: "كيف انطفأ المصباح وقد اشتريته في الصباح؟". لم يعر المصباح اهتماماً كبيراً، لكنه صبّ اهتمامه على سوفيرا التي كانت في حالة خوف وجمود. رأت في يدها ضوءاً يلمع وهي تسند يدها إلى جسدها، فجأة رأت الخاتم الذي كان يشع منه ذلك الضوء الذي قهر عتمة الظلام بنوره، ورأت السيد العجوز الذي كانت ملامحه تتضح بوجهه الأبيض وعينيه وشعره الرمادي. ورأت في الخاتم والدتها وهي تحملها، ولكن الصورة لم تكن ملونة بل كانت منقوشة؛ لم تتمكن من رؤية تفاصيلها كاملة، لكنها أيقنت أن هذا هو البحث الذي سينقذ حياتها.
"يا سيدي، هل ستتركني وحيدة هنا أم أنك ستأخذني معك؟". قال: "بالطبع لا، سأبقى. كيف سأتركك تجلسين في هذا الظلام الدامس في هذا العمر؟". "شكراً.. شكراً يا سيدي ليرس بير". "يا سوفيرا، من اليوم لا تناديني بسيدي، بل بعمي ليرس بير". شعرت سوفيرا براحة غريبة تسكن قلبها. نظرت إلى الحجرة المفتوحة حيث كانت العربة البنية البسيطة وغيرُها الوحيد ينتظران في صمت مهيب. صعدت سوفيرا والعم ليرس بير، وبدأت العربة تتحرك ببطء خارج حدود ذلك المكان المظلم؛ كانت هذه هي البداية.
قالت سوفيرا وهي تراقب الطريق من نافذة العربة البسيطة:
— عمي، هل سنقطع مسافة طويلة عبر هذه البلدان؟
— نعم، سنقطع بلاداً كثيرة، والهدف هو أن تبحثي عن أسرتك التي تنتظرك في مكان ما. لكن الطريق طويل، إذاً سنعمل في هذه الرحلة على أنفسنا لكي نكون مستعدين لكل ما سنواجه.
أمسك ليرس بير بمقود الخيل الواحد وبدأ الخيل يسرع في خطاه، بينما كانت سوفيرا غارقة في صمتها تفكر في كلماته. نظرت سوفيرا من نافذة العربة البنية البسيطة إلى ظهر الخيل الذي يشق الضباب بقوة، وشعرت أن هذا الخيل ليس مجرد حيوان يجر العربة، بل هو شريكهم في هذه الرحلة الطويلة عبر البلدان. مالت برأسها قليلاً وقالت في نفسها: "بما أننا سنبدأ حياة جديدة ونبحث عن عائلتي ونعمل على تقوية أنفسنا، فلابد لهذا الخيل الصامد من اسم يليق به وبقوته". التفتت إلى عمها وسألته بهدوء:
— عمي، هذا الخيل الذي يرافقنا في طريقنا الصعب أليس له اسم؟ أشعر أنه يحتاج اسماً يمنحه القوة كلما ناديناه به وسط هذه البلدان الغريبة.
— لم أطلق عليه اسماً يا سوفيرا، كنت أناديه فقط برفيق الطريق. لكن بما أنكِ الآن معي، فالحق لكِ في أن تختاري له الاسم الذي تريدينه في قلبكِ.
عادت سوفيرا لتتأمل حركة الخيل الواثقة، وبدأت الأسماء تمر في ذهنيها مثل النجوم، ثم قالت بصوت يملؤه البهجة:
— لقد اخترت له اسماً يا عمي، سنناديه "مجلي".
— اسم رائع يا ابنتي! فهو الذي سيجلي لنا دروب هذه البلدان.
وبمجرد أن نطقا الاسم، زاد مجلي سرعته وكأنه استمد طاقة جديدة من حروف اسمه. وبدأت ملامح البلاد الأولى تظهر في الأفق؛ كانت جدرانها عالية وبيوتها متلاصقة بشكل غريب، وكأن خلف أبوابها أسرار العائلات التي ضاعت. وضع ليرس بير يده على كتفي سوفيرا وقال:
— الآن يا سوفيرا بدأت المهمة الصعبة، وبينما يقودنا مجلي عبر هذه الشوارع، سنبدأ خطوة في العمل على أنفسنا؛ فالبحث عن أسرتك يتطلب منا قوة لم نملكها من قبل.
بدأت سوفيرا تشعر بدقات قلبها تتسارع وهي تراقب أول ممر في هذا البلد الجديد: "هل سأجد خيطاً يوصلني لأبي وأمي؟". توقف العم ليرس بير بجانب العربة البنية ونظر إلى ملابس سوفيرا ثم إلى ملابسه القديمة. كان الجو في إيطاليا يوحي بالجد والنشاط، فالتفت إليها وقال بلهجة عملية:
— يا سوفيرا، قبل أن نبدأ بالبحث عن أسرتكِ وقبل أن ندع أيدينا تعمل لكسب قوتنا، علينا أن نغير مظهرنا. سأشتري لكِ ولي ملابس تكون مناسبة للعمل الشاق؛ ملابس قوية لا تمزقها الحجارة ولا يفسدها التعب.
نظرت سوفيرا إلى يدها حيث خاتمها المنطفئ، ثم إلى عمها وقالت باقتناع:
— أنت محق يا عمي، الملابس الفاخرة لا تليق بمن يبحث عن الحقيقة وسط الزحام. لنرتدِ ما يجعلنا نبدو كأهل هذه البلاد لكي لا يشك أحد في أمرنا ونحن نسأل عن عائلتي.
اتجه ليرس بير إلى محل ملابس صغير وقريب من العربة، بعد أن عاد من المحل ناول سوفيرا ملابسها الجديدة. ارتدت قميصاً أبيض ناصعاً يزدان بورود ملونة زاهية تتفتح على أكمامه وياقته وكأنها حديقة صغيرة، ومع القميص ارتدت بنطلوناً مزهراً بالكامل بنقوش بديعة من الأزهار والنباتات المتشابكة بألوان متناغمة؛ كان مظهرها يبدو حيوياً وهو منطلق يعكس أملاً جديداً وسط الرحلة.