الفرق الكبير وثمن الحرية
**الفصل الثالث: الفراق الكبير وثمن الحرية**
ذهبتُ إلى المتوسطة مستقلة سيارة أجرة، لكني رأيت مرة أخرى ليرس بير السيد العجوز. لِمَ لم آخذ اهتماماً له؟ وفي هذه المرة أيضاً لم يقبل المال، كأنني لم أعرفه قط أو لم أره. خطوتُ السلم الأول من "فاندر بيلت" وشممت رائحة الجوري الناعمة. دخلتُ ورأيت ليليا وكأنني لم أعرف الماضي. ابتسمتُ وشعرت بلمسة خفية في روحي، احتضنتُ ليليا؛ كان هذا ثاني احتضان وأول ابتسامة لي، وكأن ليليا غرست في روحي لمسة من حياتي لتتغير. بدا على الساحة صمت شديد إثر احتضاني لليليا، وظهر الاستغراب على وجهها. ابتسمتُ ابتسامة عريضة وقلت: "يا ليليا، لقد غرستِ فيّ جمال الروح والطيبة، ودفنتُ في داخلي الشرارة والقوة".
قالت ليليا: "يا سوفيرا، تغيرتِ تغيراً كبيراً عن البداية، ما هو الشيء الذي أثر في روحكِ؟ هل هي الكلمات التي كانت موجودة في الخزانة والمرآة؟". أجابت سوفيرا بهدوء: "ليس فقط هذه الكلمات، بل كان هناك شيء يؤرق داخلي؛ سوادٌ لم أتمكن من فك شفرته. لقد تخليت عن تلك الشرارة التي كانت قصة للجميع، فالطيبة والكرامة علمتاني أن الحياة بدونهما ينقصها كل شيء، والمرح واللهو هما أساس طفولتي وكنزي لبدء صفحة بيضاء من جديد". قالت ليليا ببهجة: "هذه الكلمات الرائعة جميلة جداً، توحي أنكِ قد أنهيتِ الماضي وبدأتِ برد الجميل عن كل مكروه. ولكن يا سوفيرا، ما هو الشيء الذي جعلكِ قبل أن تصيري هكذا.. أعني, ما الذي جعلكِ شريرة وقوية بهذه القوة؟".
قلت: "يا ليليا، أول مرة أسمع مثل هذا السؤال، ولكن القسوة والشرارة في خارجي لم تكن الشيء الوحيد الذي أثر في عُقدي، فالعبرة التي تأتيني فجأة هي التي غرست فيّ القسوة، ومع ذلك تغلبتُ عليها بفضلِك، إلا تلك الغصة الوحيدة التي لم أتمكن من تجاوزها". ردت ليليا وعلى وجهها علامات الحزن: "آه يا سوفيرا، يا ليتني أقدر أن أبعدكِ عن هذه الغصة، لكنها لا تنتهي. هناك شيء في بيتكِ شعرتُ به، لكنه ليس جميلاً بل محزن، أنا آسفة جداً".
فتحت سوفيرا شعرها ليرتاح قليلاً من ربطة "ذيل الحصان" وقالت وهي تبكي: "ليليا، في الأمس ظهر السائق الذي ركبتُ معه عند خروجي من المتوسطة وكأنه المالك الجديد، لقد ظهر في النافذة وأتتني غصة مفاجئة. أما عن السرير الناعم الذي كنتُ عليه، فقد كان كرمال الشاطئ، وبعدها غصة في حلم بأنني في أرض الورود وهي تحترق لتتحول إلى رماد، ومن الرماد أخرجُ أقوى وأطيب". ردت ليليا: "يا له من شيء عظيم! كانت الليلة كجهنم.. آسفة يا سوفيرا، لكن الحلم يشي بأن هناك فراقاً كبيراً وبحثاً عميقاً".
بعد كلمات ليليا المزلزلة عن الفراق والبحث العميق، نظرت سوفيرا نحو أبيها، رأته يقف ببرود يمسح يديه وكأنه تخلص من عبء ثقيل، بينما كانت الابتسامة التي طالما خدعتها تتلاشى من وجهه تدريجياً. اقترب السيد العجوز ليرس بير بخطوات واثقة، وأخرج كيساً من القماش يخرج منه رنين الذهب، وضعه في يد أبيها الذي كانت تظنه حقاً أباً لها، ولكنه كان مجرد مربٍّ. نظر إليها نظرة باردة كالثلج، لم تكن نظرة ملك، بل نظرة مالكٍ اشترى لتوه أغلى ما تملك هذه الفتاة: حريتها.
قالت سوفيرا، وصوتها يكاد يختفي من هول الصدمة: "أبي! أهذا هو الحب الذي كنت تدعيه؟ كنت تود قتلي والآن تبيعني إلى هذا الغريب وكأنني مجرد إكسسوار من تلك التي أصنعها؟". لم يرد المربي، بل عدّ الذهب ببرود وأشار للعجوز أن يأخذها. في تلك اللحظة، أحست سوفيرا أن أرض الورود التي حلمت بها لم تكن في الخارج، بل كانت تحرق روحها من الداخل. التفتت سوفيرا نحو ليليا التي كانت تراقب المشهد بدموع صامتة، وهمست لها والشرارة الأرجوانية تشتعل في عينيها هذه المرة بغضب: "ليليا، لقد صدق حلمكِ، كانت الليلة كجهنم. والبحث العميق لن يكون عن أسرتي فقط، بل سيكون رحلة شاقة كالبحث عن كنز مفقود".
أمسك العجوز بمعصم سوفيرا بقوة، فقالت وهي try جاهدة أن تفلت يدها من قبضته الحديدية: "ليليا، انظري إلى الرجل الذي علمني كيف أمشي.. هو نفسه الذي باع خطوتي الأولى!". كيف يبتسم الصباح وفي يد المربي ذهب مغموس بدمي؟ في تلك اللحظة لم تجد ليليا القوة لترد بالكلمات، بل مدت يدها متجهة نحو جيبها وأخرجت قطعة خرز زرقاء صغيرة ورمتها نحو سوفيرا، وهي تهمس بصوت يقطعه الألم: "سوفيرا، الرماد.. تذكري الرماد، لا تنظري إلى الذهب الذي في يده، بل انظري إلى النار التي في عينيك".
الفراق الكبير بدأ، لكن البحث العميق سيكشف لهم أنهم باعوا ملكة ولم يبيعوا مجرد فتاة. وعندما سحبها العجوز نحو العربة صرخت سوفيرا؛ صرخة هزت أركان المكان، صرخة لم تكن حزناً بل كانت وعداً. التفتت إلى المربي الذي كان يخبئ الذهب في جيبه وقالت ببرود مخيف: "إن كنت مربياً حقيقياً، إنك لم تبعني اليوم؛ سيحترق جيبك، والصورة التي أحملها ستكون حبل المشنقة لكل من خانني". رماها العجوز داخل العربة المظلمة وأغلق الباب بقوة، تاركاً سوفيرا في ظلام دامس لا يضيئه سوى بريق الخاتم الفضي ورائحة الجوري التي بدأت تختنق بدخان الخيانة.