ما تبقى منييي - ما خلف الابتسامة - بقلم aleen | روايتك

اسم الرواية: ما تبقى منييي
المؤلف / الكاتب: aleen
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: ما خلف الابتسامة

ما خلف الابتسامة

في صباحٍ هادئ، استيقظت إيلا من كابوسٍ اعتادت رؤيته كل ليلة. لكن هذه المرة، كان الألم ينهش جسدها كله. وقفت أمام المرآة، تتأمل وجهها الشاحب، ثم رسمت ابتسامة مزيفة؛ ابتسامة أتقنتها جيدًا حتى لا يلاحظ أحد ما تخفيه في داخلها. انتشر صوت طرقات الباب في أرجاء الغرفة. فُتح الباب، ودخلت امرأة في الأربعينيات من عمرها، ترتسم على وجهها ملامح القسوة والبرود. قالت بنبرة صارمة: "لقد تأخرتِ يا إيلا. كم مرة عليّ أن أخبرك أن تستيقظي مبكرًا؟ هيا، انزلي إلى الأسفل. السائق ينتظرك ليأخذك إلى المدرسة." أجابت إيلا بصوت خافت: "سأنزل حالًا... يا كارمن." خرجت المرأة من الغرفة بخطوات هادئة وثابتة. لم تكن امرأة غريبة، بل كانت والدة إيلا. لكنها لم تستحق يومًا أن تُدعى "أمي". فقد كانت ترفض أن تناديها إيلا بهذا الاسم، وتصر على أن تناديها "كارمن" فقط. لطالما عاملتها بقسوة، وكأن وجودها في هذا العالم خطأ لم تستطع مسامحته. أما والدها، مالك، فلم تره إيلا قط. كانت كارمن تخبرها دائمًا أن زواجها من مالك لم يكن بدافع الحب، بل لمصلحة جمعت بين العائلتين. زواج فُرض عليها، فقط من أجل إنجاب وريث يحمل اسم العائلتين. وبعد ولادة إيلا بيوم واحد، جاء مالك إلى المستشفى بينما كانت كارمن نائمة. حمل طفلته الصغيرة بين ذراعيه، قبّل جبينها، ثم قال بصوتٍ التقطته كاميرات المراقبة في الغرفة: "سميتك إيلا، لأنك ستكونين النور وسط الظلام. ابقي مشرقة مهما حدث." ومنذ أن سمعت إيلا تلك الكلمات، كانت تردد لنفسها دائمًا: "قال أبي إن اسمي يعني الضوء... لكنني قضيت حياتي كلها أبحث عن بصيصٍ منه." ارتدت إيلا ملابسها بسرعة، ثم نزلت إلى الأسفل. كان السائق بانتظارها كعادته. ركبت السيارة بصمت، وعند وصولها إلى المدرسة، التفتت الأنظار نحو السيارة مترقبة نزول صاحبتها. خرجت إيلا بخطوات هادئة وواثقة، وعلى وجهها الشاحب ارتسمت ابتسامتها المعتادة. ابتسامة لم يلاحظ زيفها أحد... إلا كيان. صديقتها الوحيدة. صرخت كيان بحماس: "إيلااا! تعالي، أنا هنا!" التفتت إيلا نحو مصدر الصوت، وما إن رأت صديقتها حتى ارتسمت على شفتيها ابتسامة حقيقية هذه المرة. احتضنت الصديقتان بعضهما بحرارة. ثم دوّى صوت الجرس في أنحاء المدرسة، فتوجه كل طالب إلى صفه. وأثناء الحصة، شعرت إيلا بدوار شديد. بدأ الألم يشتد في رأسها، وارتجف جسدها بصورة لم تستطع السيطرة عليها. حاولت أن تتمسك بطرف الطاولة... لكن العالم من حولها بدأ يتلاشى. وفي لحظة واحدة... سقطت على الأرض مغشيًا عليها. 🥀 ساد الصمت في الصف للحظات، قبل أن يعلو صوت صرخةٍ مذعورة. "إيلا!" كانت كيان أول من نهض من مقعده، ركضت نحو صديقتها وركعت بجانبها، ويداها ترتجفان. قالت بصوتٍ مختنق: "إيلا... أرجوكِ افتحي عينيك." تجمّع الطلاب حولهما، وارتسم القلق على وجوههم. بعد دقائق قليلة، دخلت الممرضة ومعها المدير، ثم نُقلت إيلا بسرعة إلى المستشفى. ~ فتحت إيلا عينيها ببطء. كان أول ما رأته سقفًا أبيض مألوفًا، ورائحة المعقمات التي أصبحت جزءًا من حياتها. أدارت رأسها بصعوبة، فرأت كيان تجلس بجانبها، وعيناها محمرتان من كثرة البكاء. ما إن لاحظت كيان أنها استيقظت حتى أمسكت يدها بقوة. "أخفتِني كثيرًا." ابتسمت إيلا ابتسامة ضعيفة وقالت: "أنا بخير." هزّت كيان رأسها وهي تحاول منع دموعها من السقوط. "تتظاهرين دائمًا بأنك بخير... لكنك لست كذلك." خفضت إيلا نظرها إلى يديها المرتجفتين. همست بصوتٍ بالكاد سُمع: "أنا فقط... لا أريد أن أقلق أحدًا." ~ فُتح باب الغرفة، ودخل الدكتور رامي. ابتسم ابتسامة هادئة وهو يتفحص ملفها الطبي. "كيف تشعرين الآن؟" أجابت إيلا بصوت خافت: "أفضل قليلًا." لكن ملامح الطبيب لم تكن مطمئنة. أغلق الملف ببطء، ثم قال بنبرة جادة: "علينا أن نتحدث." شعرت إيلا بأن قلبها انقبض. كانت تعرف هذا التعبير جيدًا. ذلك التعبير الذي يسبق الأخبار التي لا تحمل خيرًا. ~ بعد دقائق، خرجت كيان من الغرفة بناءً على طلب الطبيب. جلس الدكتور رامي أمام إيلا، ونظر إليها بصمت للحظات. ثم قال: "المرض يتقدم أسرع مما توقعنا." تجمدت ملامح إيلا. تابع بصوت هادئ: "علينا أن نبدأ علاجًا أقوى... لكن يجب أن تكوني مستعدة." حدقت إيلا في الفراغ. لم تشعر بالخوف من الموت. لقد اعتادت فكرة النهاية منذ زمن. لكن ما كان يؤلمها حقًا... هو أنها لم تعش يومًا كما أرادت. ~ انزلقت دمعة صامتة على خدها. وهمست لنفسها: ~ "إذا كان الضوء في داخلي ينطفئ... فهل سيتذكرني أحد بعد أن أرحل؟" خرج الدكتور رامي من الغرفة بهدوء، بعد أن ترك خلفه كلمات ثقيلة استقرت في قلب إيلا كالحجارة. بقيت مستلقية على السرير الأبيض، تحدق في السقف بصمت، بينما كانت الأجهزة الطبية تصدر أصواتًا منتظمة تكسر سكون الغرفة. كانت تعرف أن حالتها تزداد سوءًا، لكنها لم تتوقع أن تسمع ذلك بهذه الصراحة. أغمضت عينيها للحظة، وشعرت بثقلٍ كبير فوق صدرها. لم تكن تخاف الموت. فكرة الموت أصبحت مألوفة بالنسبة لها، كضيفٍ يقترب ببطء كل يوم. لكن ما كان يؤلمها حقًا هو شعورها بأنها لم تعش حياة طبيعية يومًا. لم تعرف معنى العائلة. لم تعرف دفء كلمة "أمي". ولم ترَ والدها الذي ترك لها اسمًا ومعنى، ثم اختفى. ~ فُتح باب الغرفة بهدوء. دخلت كيان بخطوات مترددة، وعيناها متورمتان من كثرة البكاء. اقتربت من سرير إيلا وجلست بجانبها، ثم أمسكت يدها الباردة بين يديها. قالت بصوت مرتجف: "أخفتِني كثيرًا اليوم." ابتسمت إيلا ابتسامة خافتة. "أنا آسفة." هزّت كيان رأسها بسرعة. "لا تعتذري. فقط... لا تتركيني وحدي." شعرت إيلا بغصة في حلقها. لطالما كانت كيان الشخص الوحيد الذي منحها حبًا صادقًا دون شروط. همست إيلا: "سأبقى ما استطعت." انحدرت دمعة على خد كيان. "وأنا سأبقى معك دائمًا." ~ مرّت دقائق من الصمت. كان المطر يهطل خارج النافذة، وكأن السماء تشاركهما الحزن. قطعت كيان الصمت قائلة: "ماذا قال الطبيب؟" تنهدت إيلا ببطء. "قال إن المرض يتقدم أسرع من السابق." اتسعت عينا كيان. "لكن لا بد من علاج." أجابت إيلا وهي تنظر إلى أصابعها المرتجفة: "هناك علاج... لكنه لن يغير الحقيقة." "وما الحقيقة؟" رفعت إيلا عينيها إليها. "أنني أتلاشى." ساد الصمت. ثم شدّت كيان على يدها وقالت بحزم: "حتى لو أتعبك المرض، لن يسمح لكِ أحد بالاختفاء وحدك." ارتسمت على وجه إيلا ابتسامة صغيرة. ابتسامة لم تكن مزيفة هذه المرة. ~ بعد قليل، طرق أحدهم الباب. دخلت فتاة في عمرهما تقريبًا. كانت تحمل كيسًا صغيرًا من الأدوية، وملفًا طبيًا تحت ذراعها. بدت شاحبة ومتعبة، لكن عينيها كانتا تحملان هدوءًا غريبًا. توقفت عند الباب وقالت بخجل: "آسفة... أظن أنني أخطأت الغرفة." لكنها ما إن نظرت إلى إيلا حتى ساد صمت قصير. وكأن كل واحدة منهما رأت انعكاسًا لوجعها في الأخرى. ابتسمت الفتاة وقالت: "أو ربما لم أخطئ." رفعت إيلا حاجبيها باستغراب. اقتربت الفتاة بخطوات بطيئة. "أنا سيليا." أجابت إيلا: "إيلا." جلست سيليا على المقعد المقابل، ونظرت حولها. "أعتقد أننا نتشارك المكان نفسه كثيرًا." ابتسمت إيلا. "وأعتقد أننا نتشارك أكثر من ذلك." ~ تحدثت الفتيات الثلاث لبعض الوقت. كانت سيليا لطيفة وهادئة، وتملك طريقة مريحة في الكلام. وعندما غادرت كيان لتجلب بعض العصير، بقيت سيليا مع إيلا وحدهما. قالت سيليا وهي تنظر إلى جهاز قياس نبضات القلب: "منذ متى وأنتِ تقاتلين؟" أجابت إيلا: "منذ أن وعيت على نفسي." هزّت سيليا رأسها بتفهم. "وأنا أيضًا." نظرت إليها إيلا باهتمام. "هل تشعرين أحيانًا أنكِ أقوى مما تبدين، رغم أنكِ على وشك الانهيار؟" ابتسمت سيليا بحزن. "كل يوم." لأول مرة منذ وقت طويل، شعرت إيلا بأنها لا تحتاج إلى شرح نفسها. هناك من يفهمها بمجرد النظر إليها. ~ عادَت كيان، وبقيت الفتيات يتحدثن حتى المساء. ضحكن قليلًا. وتحدثن عن المدرسة، والكتب، والأحلام الصغيرة التي لم تتحقق بعد. وللمرة الأولى، شعرت إيلا بأن غرفة المستشفى لم تكن باردة كما اعتادت. كان هناك شيء يشبه الدفء. شيء يشبه الأمل. ~ عندما حان وقت المغادرة، وقفت سيليا قرب الباب وقالت: "سأعود غدًا، إذا لم تمانعي." ابتسمت إيلا ابتسامة حقيقية، نادرة وصادقة. "سأنتظرك." ابتسمت سيليا وغادرت. وبعد دقائق، غادرت كيان هي الأخرى بعد أن وعدتها بأنها ستأتي باكرًا في الصباح. ~ بقيت إيلا وحدها. نظرت إلى المطر خلف النافذة. ثم وضعت يدها على قلبها. كان الألم ما يزال موجودًا. لكن الوحدة لم تعد بالثقل نفسه. أغمضت عينيها، وتذكرت كلمات والدها: "سميتك إيلا، لأنك ستكونين النور وسط الظلام." همست بصوت خافت: ~ "ربما لم أجد الضوء بعد... لكنني بدأت أرى من يشاركني هذا الظلام." ~ وفي تلك الليلة، ولأول مرة منذ سنوات طويلة... نامت إيلا وهي تشعر أن الحياة، رغم قسوتها، ما زالت تخبئ لها أشخاصًا قادرين على جعلها أقل ألمًا. 🥀 جلست سيليا بهدوء قرب النافذة، بينما كانت قطرات المطر تنساب على الزجاج كأنها تكتب قصة أخرى من الحزن. نظرت إلى إيلا وابتسمت ابتسامة صغيرة. قالت: "هل تحبين المطر؟" أجابت إيلا بعد لحظة صمت: "أحبه... لأنه يبكي بدلًا عني." خفضت سيليا رأسها وكأنها فهمت كل شيء دون حاجة إلى مزيد من الكلمات. قالت: "أنا أيضًا كنت أظن أنني وحدي في هذا العالم." نظرت إليها إيلا باهتمام. "ومتى تغيّر ذلك؟" ابتسمت سيليا بحزن: "عندما أدركت أن هناك أشخاصًا يتألمون مثلي، لكنهم ما زالوا يحاولون العيش." شعرت إيلا بشيء دافئ يتسلل إلى قلبها. شيء لم تشعر به منذ وقت طويل. الأمل. ~ سادت لحظة من الصمت المريح. ثم سألت سيليا: "ما أكثر شيء تخافين منه؟" تنهدت إيلا ببطء. "أن أموت دون أن يحبني أحد." اتسعت عينا سيليا، ثم قالت بصوت هادئ: "لكن هناك من يحبك." ابتسمت إيلا ابتسامة باهتة. "كيان فقط." هزّت سيليا رأسها. "أحيانًا يكفي شخص واحد صادق ليعوّض غياب الجميع." بقيت كلماتها تتردد في قلب إيلا. لأول مرة، شعرت أن وحدتها ليست مطلقة كما كانت تعتقد. ~ في تلك اللحظة، عاد الدكتور رامي إلى الغرفة ليطمئن على إيلا. ابتسم عندما رأى الفتاتين تتحدثان. قال: "يبدو أن لديكِ زائرة جديدة." أجابت إيلا بصوت خافت: "نعم... وصديقة جديدة أيضًا." نظر الدكتور رامي إلى شاشة الأجهزة، ثم قال: "هذا جيد. أحيانًا يكون وجود الأشخاص المناسبين أفضل من كثير من الأدوية." ابتسمت إيلا ابتسامة صغيرة. ربما كان محقًا. ~ حلّ المساء، وخفّت أصوات الممرات. وقفت سيليا قرب الباب، وأمسكت مقبضه قبل أن تلتفت إلى إيلا. قالت: "لا تنسي... لستِ وحدك." نظرت إليها إيلا، وشعرت بأن هذه الجملة البسيطة أصلحت شيئًا مكسورًا في داخلها. "شكرًا لك." ابتسمت سيليا وغادرت بهدوء. ~ بعد دقائق، غادرت كيان هي الأخرى بعد أن قبّلت جبين إيلا ووعدتها بأنها ستعود في الصباح الباكر. عادت الغرفة إلى هدوئها المعتاد. لكن هذا الهدوء لم يكن ثقيلًا كما كان من قبل. تمدّدت إيلا على سريرها، وسحبت الغطاء إلى صدرها. أخذت تتأمل المطر خلف النافذة. وتذكرت كلمات والدها مرة أخرى. "سميتك إيلا، لأنك ستكونين النور وسط الظلام." أغمضت عينيها وهمست: ~ "ربما لم أجد أبي... لكنني بدأت أجد أشخاصًا يجعلون الظلام أقل خوفًا." ~ ارتسمت على شفتيها ابتسامة حقيقية. ابتسامة صغيرة، لكنها صادقة. وللمرة الأولى منذ زمن طويل... لم تنم وهي تفكر في النهاية. بل نامت وهي تفكر بأن الغد قد يحمل شيئًا جميلًا. ولو كان بسيطًا. ولو كان مؤقتًا. ولو كان مجرد صديقة جديدة تشبهها في الألم. ~ خارج نافذة المستشفى، استمر المطر في الهطول بهدوء. أما داخل الغرفة، فقد بدأ قلب إيلا، المتعب والمنهك، يتعلّم ببطء أن الأمل قد يولد في أكثر الأماكن برودة. ~ أحيانًا، لا نحتاج إلى معجزة... بل إلى شخص يقول لنا إننا لسنا وحدنا. ~ 🥀 𝑻𝒉𝒆 𝑨𝒖𝒕𝒉𝒐𝒓: 𝑨𝒍𝒊𝒏𝒆🦚