الرابع
الفصل الرابع
حلّ الليل بثقله فوق القصر، وازدادت الحفلة صخبًا حتى بدت الحديقة وكأنها مدينة صغيرة مليئة بالأضواء والضحكات الكاذبة.
لكن خلف تلك الموسيقى والرقصات، كانت القلوب تتآكل بصمت.
في هذه الأثناء، وقف أريس في الشرفة العليا للقصر ممسكًا بكأس نبيذ، يراقب الجميع بعينين باردتين.
كان يرى ميلاني تحاول التماسك، ولويس الذي اختفى منذ مدة، ولوسي التي تجبر نفسها على الابتسام.
ابتسم بسخرية وقال بصوت خافت:
ـ يا لكم من بائسين... الجميع هنا يمثل دور السعيد.
فجأة، صدح صوت المغنية في الحفل، وعمّ الصمت تدريجيًا.
كانت الأغنية قديمة... قديمة جدًا.
أغنية لم يكن يعرفها سوى أريس وميلاني.
تجمد أريس في مكانه فور سماع اللحن.
أما ميلاني فشحب وجهها وكأن الحياة انسحبت منه دفعة واحدة.
"حين افترقنا، مات نصف قلبي... وبقي نصفه الآخر ينتظر المستحيل..."
اتسعت عينا أريس ببطء، وعاد به الزمن سنوات طويلة إلى الخلف.
إلى تلك الليلة تحت المطر... حين كانت ميلاني تضحك وهي تمسك يده وتقول له:
ـ حتى لو كرهتني يومًا... لا تنسَ هذه الأغنية.
ضغط على الكأس بقوة حتى كاد ينكسر بين أصابعه.
ولأول مرة منذ سنوات، ارتجفت عيناه بالألم.
أما ميلاني فلم تستطع التحمل أكثر، فاستدارت بسرعة وهربت نحو الداخل.
لاحظت السيدة إرنزو ما يحدث، فتمتمت بقلق:
ـ تبًا... ليس هذه الأغنية.
لكن الضرر حدث بالفعل.
في الخارج، كان لويس لا يزال فوق الجسر، والبرد يحيط به من كل جانب.
وصل إليه صوت الأغنية الخافت من القصر، فابتسم بمرارة وقال:
ـ حتى الأغاني تذكرني بأنني لست الرجل الذي أحبته.
ثم أغلق عينيه وهو يتذكر كيف كانت ميلاني تنظر إلى أريس قبل قليل.
وكأن العالم كله اختصر في عينيه.
في القصر، نزل أريس ببطء إلى الحديقة، وقد اختفت ابتسامته المعتادة.
اقتربت منه إحدى النبيلات وقالت بإعجاب:
ـ دون أريس، هل ترغب بالرقص؟
نظر إليها ببرود جعلها ترتجف، ثم قال:
ـ هل أبدو لكِ رجلًا يريد الرقص؟
ابتعدت عنه بسرعة.
أما هو فاتجه نحو الطاولة وأخذ زجاجة كاملة من النبيذ.
لاحظت لوسي حالته، فاقتربت منه بحذر وقالت:
ـ أريس... هل أنت بخير؟
ضحك ضحكة قصيرة بلا روح وقال:
ـ وهل يبدو عليّ ذلك؟
ـ الأغنية أزعجتك، أليس كذلك؟
صمت للحظات، ثم أجاب:
ـ بعض الذكريات لا تموت يا لوسي... بل تنتظر أغنية واحدة لتعود وتخنقك.
شعرت لوسي بالحزن عليه، لكنها لم تعرف ماذا تقول.
فهي لأول مرة ترى أريس بهذه الهيئة الهشة.
وفجأة، دوّى صوت تحطم كأس في المكان.
التفت الجميع نحو ميلاني التي كانت تقف قرب الطاولة، وقد سقط الكأس من يدها.
كانت ترتجف بعنف.
اقترب منها أريس ببطء، ثم همس قرب أذنها:
ـ مؤلم، أليس كذلك؟ أن تتذكري شخصًا دفنته بيديكِ.
رفعت عينيها إليه بدموع محبوسة وقالت بصوت مرتجف:
ـ أريس... أرجوك.
لكن ملامحه لم تلن.
ـ لا ترجوني الآن، لقد تأخرتِ كثيرًا يا ميلاني.
ثم تركها وغادر الحفل بأكمله.
أما هي فبقيت واقفة وسط الضجيج، تشعر أن قلبها يُسحق ببطء أمام الجميع.
تفاعلو