تائهة في الديجور - التالت - بقلم جوري محمد الورفلي | روايتك

اسم الرواية: تائهة في الديجور
المؤلف / الكاتب: جوري محمد الورفلي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: التالت

التالت

الفصل الثالث على طاولة الغداء، جلس لويس يترأس المائدة، وبمحاذاته أريس الذي جلست بقربه أمه السيدة إرنزو. وكانت ميلاني تجلس بجانب لويس، وكذلك شاركتهم لوسي الغداء ومعها والدها كارتس. ـ كيف حالكِ سيدة إرنزو؟ قالها لويس. ـ بخير يا دون بيتشو. ردّت عليه بحنان. فابتسم وقال: ـ ما زلتِ تتذكرين الدون بيتشو؟ ـ أنا لم أنسه لكي أتذكره. ردّت بشيء من الحسرة. فسألت ميلاني بفضول: ـ من هو بيتشو؟ ـ إنه لقب لويس، أطلقه عليه عمي بيشو يا ميمي. ردّ عليها أريس الذي لا شأن له بالموضوع، ولكن كلمته "ميمي" التي هي تصغير لاسمها جعلتها تبتلع غصة محملة بالذكريات المؤلمة. أما لويس فقد أمسك الكأس حتى ابيضّت مفاصله من الغيرة. مما استرعى انتباه الجميع، فازدادت ابتسامة أريس، ولكن السيدة إرنزو تدخلت وقالت موجهة نظرها إلى لوسي مع ابتسامة صغيرة: ـ إذًا يا صغيرتي، متى سوف نفرح بكِ أنتِ وابن عمك بيو؟ ـ قريبًا جدًا. ردّ والدها كارتس نيابة عنها، لأنه على يقين بأنها ترفض الجميع من أجل شخص واحد، وهذا الشخص أعمى مع الأسف. ـ يعني في هذا الشهر؟ قالت السيدة إرنزو مستفسرة. ـ أجل. أجاب. مما جعل لوسي تقول: ـ عن إذنكم، لقد شبعت. ـ لكِ الإذن. قالها الجميع في وقت واحد. لاحظ أريس حزنها وعمق ألمها، لكنها للأسف لا تزال تبتسم ابتسامة المنتصر في الحرب. فهو نجح في إشعال قلب ميلاني بالذكريات، ولويس بالغيرة. ومن وجهة نظره، هما يستحقان هذا، الجميع يستحق كل شيء سيحدث له، ولكن لماذا؟ سنعلم قريبًا. ـ هل استرجعتِ عافيتكِ بعد ولادتكِ؟ سألها بدافع الفضول. شعرت ميلاني ببعض التوتر، لكنها دارت حول الأمر وقالت: ـ أجل والحمد لله، أليس واضحًا من شكلي؟ لا تحتاج لعقل عاقل ليسأل. أجابته بهذا التكبر، مما جعل لويس يغضب لكنه كتم ذلك، فقاطعتها السيدة إرنزو: ـ بالعكس، لا يبدو ذلك عليكِ، فقد أصبحتِ أبشع من السابق بقليل. لا تخافي، لويس لن يترككِ لأنه طيب القلب، ولكن سوف يجملكِ مدة، ثم لا بأس إن خانكِ. هنا احمرّ وجه ميلاني غضبًا. آه، كم تحقد على هذه المرأة وتراها سببًا في كل مشاكلها، سحقًا، ولكن بالطبع لن تصمت. ـ هههههههه، عزيزتي السيدة إرنزو، الجميع هنا تغير للأفضل والأجمل ما عداكِ أنتِ، سبحان الله، بالعكس صرتِ أبشع، وحسكِ الدعابي كذلك. قالتها بسخرية. ـ الرد على السفهاء أكبر مذلة. قالتها السيدة إرنزو وتركت الطاولة، كما فعل الجميع بعدها. منهم من ذهب ليستعد، مثل ميلاني التي عزمت على قهر أريس. ومنهم من ذهب يكتم قهره ويكره نفسه لضعفه، مثل لوسي. أما بالنسبة لأريس، فلا أعلم أين ذهب. أما لويس والسيدة إرنزو، فذهبا إلى الإسطبل لكي يتحدثا بموضوع بدا عليهما أنهما يحاولان إخفاءه. بعد ساعتين، حل المساء وامتلأت الحديقة بالضيوف والنبلاء حتى صار المكان يشبه حفلة زفاف لا حفلة مولود. كانت الحفلة ممتلئة بالأحاديث الجانبية، ولكن صوت عزف الكمان طغى على هذا المكان. في هذه الأثناء، كان لويس يقف مع الضيوف ويوزع الابتسامات ويسمع سيلًا من التهاني حتى كاد يكره كلمة "مبروك". كان يبدو على جميع الحضور أنهم سعداء لأجله، لدرجة تجعلك تعتقد أنه غير سعيد مقارنة بهم، وهذا هو الواقع، فهو كان يحاول الابتسام غصبًا عن قلبه. فقد كان يحترق من داخله كلما رأى ميلاني ترنو إلى أريس الذي كانت ابتسامته البديعة شبيهة ببسمة طفل. مما جعل قلب لويس يحترق. وكانت هناك لوسي التي تعمل وتوزع المشروبات بحزن ملحوظ، مما جعل لويس يقترب منها ويسألها بغضب: ـ ألم أقل لكِ مائة مرة إن هذا ليس عملكِ؟ أنتِ هنا لستِ خادمة في سائر الأيام، فكيف تعملين في الحفلة التي يجب أن تستمتعي فيها؟ حدقت لوسي في ميلاني التي كانت تتبع أريس في كل حركة، وابتلعت غصتها وقالت للويس: ـ السيدة ميلاني أمرت بهذا. حدق لويس في ميلاني بغضب لدرجة أنها تفاجأت حين ذهب إليها وسحبها إلى جانب بعيد عن الجميع. ـ كيف تتجرئين على أن تأمري لوسي بالعمل؟ بقي ممسكًا بيدها بقوة حتى صرخت من الألم وقالت: ـ آه، آه، أنت تؤلمني، اترك يدي. انتبه إلى نفسه وترك يدها، ثم تنفس بعمق وقال: ـ أقسم لكِ بأن المرة القادمة التي أرى فيها لوسي تعمل بأمر منكِ... لا أريد تدمير صورتي اللطيفة في عينكِ، ولكن تيقني أنه سوف يحدث. شعرت ميلاني بالغضب فقالت: ـ دون لويس، كيف تصرخ عليّ من أجل خادمة مثلها؟ أنا حقًا لا أفهمك. حدق بها، ودام الصمت لثوانٍ، لكنه صفعها صفعة قوية. حتى إنه صُدم من نفسه، فقال لها: ـ تجرئي مرة أخرى وسنرى. ثم ذهب من أمامها. صحيح أنه يحب ميلاني، ولكن لوسي خط أحمر، فهي السبب في أنه ما زال على قيد الحياة ولم يمت. بالعودة إلى ميلاني، كانت تبكي بقهر. كيف للويس أن يضربها من أجل خادمة تافهة مثل لوسي؟ مرّ أريس بالصدفة من قربها وسمعها تبكي، فاقترب منها ليعرف السبب. لكنه تماسك في اللحظة الأخيرة وتذكر قسمه، وغضب من نفسه على ذلك القلب الذي يميل لها. تبًا له ولها ولكل من يؤمن ويبحث عن ألم الحب. خرج لويس من القصر بحديقته وترك كل شيء، وما إن وصل إلى الجسر وصار فوقه حتى صرخ بدموع إنسان متألم دمرته الحياة: ـ ميلاني، تبًا لكِ، أنا أحبكِ! آه، آه، آه! وتذكرها وهي ترنو إلى أريس بكل حب وشوق، فصرخ أعلى: ـ آه، لماذا قلبي من بين كل القلوب لتكسيره؟ أقسم أنني كنت أنساكِ، لماذا عدتِ يا محبوبتي؟ لم يعد قادرًا على الاحتمال، فسقط على ركبتيه وقال بصوت مختنق وكأنه تملّك: ـ أحبكِ حتى يصبح الغبش نورًا. في القصر، كان الجميع يرقصون على أجمل الأنغام، فأتت امرأة وقالت: ـ يا ميلاني، أنتِ الأم الجديدة، يجب أن ترقصي مع والد الطفل، هذه هي العادة. شعرت ميلاني بالغضب، فلم ترد الرقص مع لويس. ـ لويس ليس هنا، لقد خرج. قالتها ميلاني. فردّت المرأة: ـ حسنًا، فلترقصي مع أريس، يجب أن ترقص الأم. ابتسم أريس بخبث ووافق، حتى إنه أمسك يد ميلاني التي شعرت بالسعادة لأنه سوف يقترب ويتحدث معها. في وسط ساحة الرقص، رقصا على أغنية "جريمة العقل". رقص بفن لدرجة أن الجميع أعجب بهما، ولكن السيدة إرنزو شعرت بأن أريس ينوي إحداث عطب. وبالفعل، في ختام الرقصة همس أريس لميلاني وقال: ـ هل يعلم أخي الدون بهوية أبيكِ أم لا يزال لا يعلم؟ انفتحت عينا ميلاني على اتساعهما من الصدمة لدرجة أنها وقعت بشكل مثير للسخرية. ولم يساعدها أريس على النهوض، بل رمى على وجهها منديلًا مستعملًا وقال: ـ مكياجكِ بشع، وأيضًا منديلكِ بشع. تذكرت ميلاني أن هذا المنديل هو الذي خاطته بنفسها من أجل أريس، وأرسلته مع الخادمة لتدسه في حقيبته من دون أن يعلم أنها صنعته، ولكن كيف عرف أنه منها؟ والأهم، كيف عرف سر هوية والدها؟ ربما هو يريد التلاعب بها فحسب... أرجو ذلك. هذا ما فكرت فيه في أعماقها. أدركت أنها ما زالت على الأرض، فأتت لوسي بسرعة لتساعدها على الوقوف. وحين تذكرت كف لويس، أفلتت يدها أرضًا، ولكن قبل أن تقع أمسكها أريس وقال: ـ لوسي، ألم تسمعي بأن اليد التي تمدينها للكلب هي نفسها التي يعضكِ منها؟