الفتاة التي أوقفت قلب يعقوب
في مدينة مراكش، بعيدًا عن صخب الأحياء المزدحمة، كانت هناك ڤيلا فخمة تتوسط منطقة هادئة عند أطراف المدينة.
كانت كبيرة بشكل يلفت الأنظار، تحيط بها حديقة واسعة مليئة بأشجار النخيل والورود الملونة، بينما تتلألأ نوافذها الزجاجية تحت أشعة الغروب وكأنها قصر من عالم آخر.
وفي داخل تلك الڤيلا، وبالتحديد في الصالون الكبير، كانت الأجواء مختلفة تمامًا…
امرأة في أواخر الأربعينات تجلس على الأريكة الفاخرة، تضم ابنها بين ذراعيها وكأنها تخشى أن يختفي من جديد. كانت تقبل رأسه ويديه بلهفة أم اشتاقت طويلًا، وعيناها تمتلئان بالدموع من شدة فرحتها.
لقد عاد يعقوب أخيرًا…
بعد ثلاث سنوات كاملة قضاها في هولندا، عاد الابن الذي غاب طويلًا عن البيت، لكنه لم يغب يومًا عن قلوبهم.
كان يعقوب يجلس بهدوء، ملامحه جامدة رغم كل الحب الذي يحيط به. رجل في بداية الثلاثينات، طويل القامة، عريض الكتفين، له نظرات حادة توحي بالقوة والهيبة. لم يكن يشبه الشباب الذين يبتسمون بسهولة… كان يبدو كرجل حمل فوق كتفيه عمرًا أكبر من عمره الحقيقي.
وبجانبهم وقف أخواه.
هشام، البالغ من العمر خمسةً وعشرين عامًا، مهندس ناجح، يملك ملامح جذابة وجسدًا رياضيًا، لكنه كان خفيف الظل، لا يتوقف عن المزاح وإضحاك من حوله.
أما أنور، ذو التسعة والعشرين عامًا، فكان يعمل مقاولًا، هادئًا أكثر من هشام، لكنه يشبهه في وسامته وثقته بنفسه.
وفي زاوية الصالون كانت تجلس ملاك، أصغر أفراد العائلة، فتاة في الثامنة عشرة من عمرها، نحيفة وجميلة، تدرس في السنة الثانية باكالوريا. كانت تضحك بصوت مرتفع وهي تراقب أمها التي لم تتوقف عن احتضان يعقوب منذ دخوله البيت.
قال هشام ساخرًا: — "أمي، إذا واصلتِ هكذا سيهرب مرة أخرى إلى هولندا."
فضحكت ملاك بقوة، بينما رمقهما يعقوب بنظرة باردة جعلتهما يصمتان فورًا.
كان الجميع في البيت يخاف من يعقوب… ليس لأنه يصرخ كثيرًا، بل لأن صمته وحده كان مرعبًا أحيانًا.
فمنذ طفولته، لم يعش يعقوب حياة سهلة.
بعد وفاة والده، انقلبت حياتهم رأسًا على عقب، وغرقوا في الفقر والحرمان. وفي الوقت الذي كان فيه أقرانه يعيشون شبابهم بتهور، كان هو يعمل ليلًا ونهارًا ليطعم عائلته ويحميهم من الحاجة.
سافر، تعب، خسر كثيرًا، وتعلم أن العالم لا يرحم الضعفاء.
ومع مرور السنوات، استطاع أن ينقل عائلته من الفقر إلى الثراء، حتى أصبحت تلك الڤيلا الضخمة شاهدًا على نجاحه.
لكن ذلك النجاح أخذ منه شيئًا مهمًا…
أخذ منه قلبه القديم.
أصبح يعقوب رجلًا قاسيًا، لا يثق بأحد بسهولة، ولا يسمح لأي شخص بالاقتراب منه. كان يرى أن الرحمة ضعف، وأن الحياة لا تعطي شيئًا دون ثمن مؤلم.
ورغم أن الجميع كانوا يحبونه، إلا أنهم لم يكونوا يعرفون ماذا يخفي خلف تلك النظرات الباردة… ولا أن القدر كان يستعد ليغير حياته بالكامل، بسبب فتاة لم يلتقِ بها بعد.
بعد ساعات طويلة من السفر، دخل يعقوب إلى غرفته الواسعة في الڤيلا، وأغلق الباب خلفه بهدوء.
كان التعب واضحًا على ملامحه بعد رحلة العودة من هولندا، فخلع سترته ورمى مفاتيحه فوق الطاولة ثم جلس على حافة السرير وهو يمرر يده على وجهه محاولًا أن يريح عقله من ضجيج الطريق.
لكن فجأة، رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة لثوانٍ قبل أن يجيب بصوته الهادئ: — "السلام عليكم عمتي."
جاءه صوت فاطمة مليئًا بالشوق: — "وعليكم السلام يا ولدي… اشتقت إليك كثيرًا، هل أنت بخير؟"
أجاب وهو يبتسم ابتسامة خفيفة بالكاد ظهرت: — "أنا بخير، ماذا عنك أنتِ؟"
قالت: — "بخير الحمد لله… لكن أريدك أن تأتي عندي، لدي موضوع مهم جدًا أريد التحدث معك فيه."
عقد حاجبيه قليلًا وقال: — "وما هو هذا الموضوع؟"
تنهدت فاطمة وأجابت: — "سأخبرك عندما تأتي."
صمت للحظات ثم قال: — "حسنًا… غدًا سأكون عندك."
وفي صباح اليوم التالي، انطلق يعقوب بسيارته نحو القرية التي تعيش فيها عمته فاطمة.
وبمجرد وصوله، استقبلته بحنان كبير، ثم أخذته إلى الصالون وبدأت تحكي له كل شيء… عن هاجر، وعن شمس، وعن الرجل الذي يريد عمها تزويجها له مقابل المال.
كان يعقوب يستمع بصمت، ملامحه جامدة كعادتها، حتى انتهت عمته وقالت فجأة: — "أريدك أن تتزوج شمس."
رفع نظره إليها ببرود وقال: — "مستحيل."
ثم نهض دون إضافة كلمة أخرى، واتجه نحو سطح المنزل.
وقف هناك تحت ضوء الشمس، وأخرج سيجارة أشعلها بهدوء، بينما كانت أفكاره تتصارع في رأسه.
لم يكن يؤمن بالزواج… ولا بالعلاقات… ولا حتى بالحب.
الحياة جعلته رجلًا لا يفكر إلا بعقله.
لكن رغم ذلك، لم يستطع تجاهل صورة فتاة لا يعرفها تُباع لرجل منحرف فقط بسبب دين.
أطفأ سيجارته بعد دقائق طويلة، ثم عاد إلى عمته.
نظرت إليه فاطمة بترقب، فقال ببرود: — "سأتزوجها… لكن لمدة شهر فقط، وبعدها سأطلقها."
اتسعت عينا فاطمة من الفرح، وقالت بسرعة: — "المهم أن تنقذها."
أما هو، فلم يُظهر أي مشاعر، وكأن الأمر مجرد اتفاق عادي بالنسبة له.
عاد يعقوب إلى مراكش، وما إن علمت والدته عائشة بخبر زواجه حتى صدمت، وكذلك إخوته هشام وأنور وملاك، وحتى ابناء عمه الدين مثل إخوانه وصال ومراد لم يصدقوا الأمر.
قال هشام وهو يضحك بدهشة: — "يعقوب؟ يتزوج؟ هذه معجزة!"
لكن يعقوب اكتفى بنظرة باردة جعلته يصمت فورًا.
وبدأت العائلة تستعد للذهاب إلى القرية من أجل الخطبة.
وفي صباح اليوم التالي، انطلقت السيارات نحو القرية الصغيرة.
وبعد ساعات وصلوا إلى منزل فاطمة، التي رحبت بهم بحرارة، وظلوا نصف الليل يتحدثون عن شمس وجمالها وأخلاقها.
أما يعقوب، فكان صامتًا طوال الوقت.
وفي الصباح، ارتدى الجميع ملابسهم التقليدية وتوجهوا نحو منزل هاجر.
وما إن وصلوا حتى استقبلهم عم شمس وزوجته سعدية بفرحة كبيرة، فقد كانا يظنان أن العائلة جاءت لخطبة ابنتهما نورة.
أدخلوهم إلى الصالون البسيط، وكانت سعدية تكاد تطير من الفرح.
وبعد دقائق، دخلت نورة وهي ترتدي قفطانًا فاخرًا، ووجهها مليء بمساحيق التجميل، وأظافرها مطلية بالأحمر القوي. مشت بثقة وهي تسلم على الجميع، بينما تبادل أفراد عائلة يعقوب النظرات بدهشة.
همست ملاك لأخيها هشام: — "هل هذه هي العروس؟"
وقبل أن يجيب، قالت فاطمة بهدوء: — "والآن… نريد أن نرى زوجة ابننا."
ابتسمت سعدية بفخر وقالت: — "ها هي أمامكم، ألم تروها؟"
لكن فاطمة قالت بجدية: — "لا… نحن لم نأتِ من أجل ابنتك. نحن جئنا لخطبة شمس ابنة هاجر."
وفي لحظة واحدة، اختفت الابتسامة من وجوه سعدية وزوجها ونورة، وكأن صدمة قوية ضربتهم.
أما هاجر، فشعرت أن قلبها عاد ينبض بعد خوف طويل. نهضت بسرعة واتجهت نحو الغرفة لتأتي بابنتها.
ساد الصمت داخل الصالون…
ثم فُتح الباب ببطء.
دخلت شمس بخطوات خجولة، ترتدي لباسًا بسيطًا باللون الوردي، دون أي زينة أو تكلف. كان شعرها الذهبي الطويل منسدلًا على كتفيها، وعيناها الزرقاوان تخفيان خلفهما براءة هادئة.
وخلفها كانت تسير هاجر بفخر ممزوج بالخوف.
في تلك اللحظة… انبهر الجميع.
حتى ملاك، التي اعتادت رؤية أجمل الفتيات في مراكش، بقيت تنظر إليها بدهشة.
أما يعقوب…
فلم يستطع أن يبعد عينيه عنها ولو لثانية.
لأول مرة منذ سنوات، شعر أن الزمن توقف للحظات.
اقتربت شمس بخجل، سلمت على الجميع بأدب وصوت منخفض، ثم جلست قرب يعقوب وهي تخفض عينيها بحياء.
وكانت والدته عائشة تراقبها بصمت، منبهرة بجمالها الهادئ وتربيتها التي ظهرت في كل حركة منها… بينما يعقوب، الرجل الذي لم يكن يهتم بشيء، وجد نفسه عاجزًا عن فهم السبب الذي جعله يحدق بها بهذه الطريقة.