الفصل 3
كتم إدغار الغضب الحارق في صدره، وبلع الإهانة بصمت مرعب. لم ينطق بحرف واحد، ولم يمنح جوليان متعة رؤية ردة فعله. اكتفى بنظرة باردة، مميتة، اخترقت عيني أخيه جوليان قبل أن يدفعه بكتفه بقوة، ويكمل طريقه في الرواق بخطوات سريعة وعنيفة، تاركاً خلفه جوليان يبتسم بثقة مستفزة وهو يرتشف من كأسه.
انفصل الأمان داخل إدغار تماماً في تلك اللحظة؛ فكرة أن أخاه يراه كسلعة جنسية للبيع هزت مضاجعه، وأشعلت في داخله فتيل الشك تجاه الجميع.
دخل غرفته وأغلق الباب خلفه بقوة. ارتمى على السرير الضخم المغطى بالحرير الداكن، وجسده يرتجف من شدة الأدرينالين المحتبس. أغلق عينيه الفيروزيتين واستسلم لظلام النوم من شدة الإرهاق النفسي والجسدي، باحثاً عن هروب مؤقت من هذا القصر الذي يفوح بالغدر.
عندما فتح إدغار عينيه، كان قرص الشمس قد غاب تماماً وراء الأفق، تاركاً السماء تتشح بلون قرمزي داكن يميل للسواد. استيقظ بجسد مشدود وعقل أكثر وضوحاً؛ الغضب العاطفي تلاشى، وحل محله برود حاد كالشفرة.
توجه نحو الحمام الداخلي الملحق بجناحه. انفتحت صنابير المياه الساخنة ليتصاعد البخار الكثيف، مستنشقاً رائحة الصابون الفاخر بنكهة الأخشاب الحارة. وقف تحت المطر الاصطناعي الدافئ، تاركاً المياه تغسل آثار التعب والغربة عن جسده المنحوت، وكأنها تطهر جسده من الكلمات القذرة التي ألقاها جوليان على مسامعه.
خرج وهو يلف منشفة سوداء حول خصره، وتوجه نحو غرفة الملابس الشاسعة. اختار ملابسه بعناية فائقة، فالليلة ليست مجرد عشاء، بل هي ساحة معركة صامتة لإثبات الوجود.
ارتدى قميصاً أسود من الحرير الخالص، يلتصق بجسده الرياضي النحيف بدقة، وترك الزرين العلويين مفتوحين بتمرد مدروس ليظهر عنقه الممشوق. ارتدى فوقه سترة بدلة كلاسيكية بلون كحلي داكن جداً (Midnight Blue) ذات ياقة من الستان الأسود، وبنطالاً من نفس القماش يبرز طول قامته الواثقة. مشّط خصلات شعره الداكن الكثيف إلى الخلف، تاركاً بعض الخصلات المتمردة تداعب جبينه وسوالفه المنحوتة.
نظر إلى المرآة؛ كانت عيناه الفيروزيتين الصافيتين تلمعان تحت الضوء الخافت وموشحتين بالبني الكثيف، وجهه الملائكي الجميل كان يشع بكاريزما طاغية، لكن ملامحه كانت متصلبة، خالية من أي تعبير طفولي. لقد ارتدى قناعه الأرستقراطي.
هبط إدغار الدرج الرخامي العريض متوجهاً نحو قاعة الطعام الكبرى. كانت الممرات تعج بحراس شخصيين يرتدون بذلات رسمية موحدة وسماعات أذن، يقفون بصلابة ويلقون برؤوسهم احتراماً له أثناء مروره، لكنه لم يلتفت لأحد.
انفتحت الأبواب المذهبة لقاعة الطعام.
كانت الطاولة الطويلة المصنوعة من خشب الجوز الأسود تتوسط الغرفة، يتدلى فوقها ثريا ضخمة من الكريستال النمساوي تضيء المكان بنور دافئ وفخم. أدوات الطعام الفضية والبلورات اللامعة كانت مرتبة بدقة ملليمترية.
على رأس الطاولة، جلس الزعيم الأكبر، لوسيفر، بهيبته المعتادة وسيطرته المطلقة. وعلى يمينه، جلس الأخ الأكبر والقائد الفعلي، دومينيك، الذي كان يقرأ تقريراً سريعاً على جهازه قبل أن يغلقه فور دخول إدغار، موجهاً نظراته الصارمة والباردة نحو الصغير ليقيمه بنظرة واحدة.
وعلى الجانب الآخر، كان جوليان يجلس بوضعية مسترخية، يتحدث مع أحد الإخوة الكبار، والابتسامة النرجسية لا تفارق وجهه. وحول الطاولة، توزع بقية الأخوة الذكور التسعة، كتل من الكاريزما والنفوذ، يتبادلون أحاديث مقتضبة حول العمل والسلاح والسياسة.
ساد صمت مفاجئ وخفيف عند دخول إدغار. سحب أحد الخدم الكرسي المخصص له، والذي كان يقع في مواجهة جوليان تماماً بناءً على ترتيب المقاعد العائلي.
جلس إدغار برصانة، وفرد مناديل المائدة الحريرية فوق ركبتيه بهدوء أرستقراطي تام. رفع عينيه الفيروزيتين الحادتين، ونظر مباشرة إلى وجه جوليان. لم تكن نظرة خوف أو ارتباك، بل كانت نظرة تحدٍّ صامتة وباردة، أرسلت قشعريرة غير مرئية عبر الطاولة.
لمح جوليان تلك النظرة، واتسعت ابتسامته الماكرة، وكأنه يقول صمتاً: "أهلاً بك في عالمي المظلم، يا صغيري".
بدأ الخدم بتقديم الأطباق الفاخرة، وتحرك دومينيك في مقعده ليوجه حديثه للأب لوسيفر بصوت رزين: "شحنة السلاح القادمة من المرفأ الشرقي جاهزة للتأمين الليلة، السياسة هناك تحت السيطرة.. لكن هناك بعض الفوضى في قطاع النوادي تحتاج لترتيب سريع".
هنا، التفتت الأنظار نحو جوليان، الذي عدل جلسته وبدأ يتحدث بثقة، بينما كان إدغار يمسك بسكينه الفضي بضغط غير محسوس، وعقله يخطط لأمر آخر تماماً.