طين الوطن
كانت السيارة السوداء المصفحة تشق ضباب العاصمة كنعش متحرك. في المقعد الخلفي، جلس إدغار فالتوري عاقداً ذراعيه فوق صدره. تسعة عشر عاماً من العمر، لكن عينيه الفيروزيتين الصافيتين كانتا تحملان بروداً يتجاوز سنه بكثير. خصلات شعره الداكنة الكثيفة تتدلى على جبينه، تخفي وراءها ملامح نُحتت بدقة متناهية، ملامح كانت إرثاً وحيداً من والدته الراحلة.
لقد طُرد. المشاجرة في تلك المدرسة الأجنبية الراقية لم تكن مجرد حادث؛ لقد كسر أنف ابن أحد الدبلوماسيين لمجرد أنه تجرأ وحاول محاصرته. إدغار لا يحتمل القوانين، ولا يحتمل أن يلمسه أحد.
توقفت السيارة أمام البوابات الحديدية العملاقة للقصر. قصر عائلة فالتوري. مكان يفوح برائحة المال القديم، والسلطة، والدماء المغسولة بعناية.
ترجل إدغار. لم يحمل حقائبه، تركها للخدم. تحرك بخطوات واثقة، متمردة، وعيناه تمسحان المكان بضجر.
داخل قاعة الاستقبال الكبرى، كان الصمت يفرض هيبته. هناك، عند نهاية الرواق، وقف الأخ الأكبر، دومينيك. في السادسة والثلاثين من عمره، بدا دومينيك كحاكم مطلق؛ قامته المديدة، بدلته الإيطالية السوداء، وعيناه الحادتان اللتان تدرسان كل حركة. كان يمثل العمود الفقري لأعمال العائلة غير القانونية، السلاح والسياسة.
بجانبه، وبجلوس مسترخٍ مبالغ فيه على المقعد الجلدي، كان الأخ الثاني، جوليان. وسيم، غارق في العطور الراقية، يرتدي قميصاً حريرياً مفتوح الأزرار العليا. جوليان، ذو الاثنين وثلاثين عاماً، رجل النوادي، ثنائي الجنس، والشخص الذي يرى في كل شيء في الحياة—حتى البشر—سلعة قابلة للمتعة والربح.
حولهم، كان بقية الأخوة الذكور يتوزعون كحراس صامتين، كتل من الكاريزما والهيبة، لكن أحداً منهم لم يتقدم ليرحب بالصغير العائد. في عائلة فالتوري، لا توجد أحضان، هناك فقط تقييم للقوة.
وقع نظر جوليان على وجه إدغار. تفرّس في ملامحه الملائكية، عيونه الفيروزية اللامعة، وبشرته النظيفة. لمعت في عيني جوليان نظرة غريبة، نظرة تجارية قذرة امتزجت بابتسامة مستهترة.
"عائد بالخيبات سريعاً يا صغيرنا؟" نطق جوليان بنبرة متهكمة، وعيناه لا تفارقان وجه إدغار.
لم يجبه إدغار. مرّ من أمامهما كأنهما غير موجودين، متوجهاً مباشرة نحو جناح والده. كان يعلم أن النمور التي تحيط به في هذه الصالة جائعة، لكنه لم يكن يعلم بعد، أن أحدهم يرى في وجهه الجميل.. تذكرته القادمة لـ "سوق المتعة".