القصر البارد
كانت السما ملبّدة بالغيوم الثقيلة، والمطر ينزل بهدوء فوق شوارع الرياض الهادية، بينما قصر "آل السالم" يلمع وسط الظلام كأنه ينتمي لعالم غير عن باقي المدينة.
القصر كان ضخم بشكل مبالغ فيه.
بوابة حديد سودا، وحديقة واسعة بالنص نافورة رخام، ومسبح كبير وفخم وراء البيت، وسيارات فاخرة مصطفة عند المدخل الرئيسي بطريقة تعكس ثراء العائلة وهيبتها.
أي أحد يمر من هناك بيحسب إن اللي عايشين داخل هالمكان أكيد حياتهم مثالية.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
في الدور العلوي، كانت العنود واقفة عند شباك غرفتها الكبير بصمت، تراقب قطرات المطر وهي تنزل فوق الزجاج.
لابسة كنزة رمادية واسعة، وشعرها الأسود الطويل نازل بعشوائية فوق كتوفها.
ملامحها الجميلة ما كان فيها أي راحة... بس تعب طويل تعودت تخفيه عن الكل.
رن جوالها.
كانت لمى بنت خالتها.
ردّت العنود.
قالت لمى:
"مسا الخير يا بنت العم."
قالت العنود:
"مسا النور يا لمى، كيفك؟"
"والله بخير، صح بتيجين حفلة الخميس؟"
ردّت العنود:
"مدري."
قالت لمى:
"والله حفلة أمس كانت تهبل... يا ليتك جيتي، حتى تالا كانت تسأل عنك كثير."
قالت العنود:
"إيه دقت علي."
ضحكت لمى وقالت:
"شفتي فستاني أمس؟"
جلسوا يسولفون عن الحفلة والجامعة، وكانت العنود تخفي ضعفها كعادتها... وتنجح بهالشي.
وفجأة، ارتفع صوت أبوها من تحت:
"أنا مو فاتح شركة خيرية عشان تضيع فلوسي بهالشكل!"
غمضت العنود عيونها بتعب، وقفلت المكالمة.
مرة ثانية... مشكلة جديدة.
من سنين، وهالقصر ما عرف معنى الهدوء الحقيقي.
كل شيء فيه فخم... وبارد بنفس الوقت.
الطاولات الرخام، والثريات الضخمة، واللوحات الغالية... كلها كانت بدون روح، كأن القصر مجرد واجهة جميلة تخفي وراءها عائلة تتفكك شوي شوي.
اتجهت العنود لسريرها.
فتحت الدرج الصغير اللي جنبها، وطلعت دفتر أسود قديم.
كان الشي الوحيد اللي ترتاح له.
كل يوم تفتحه وتقرا عبارة كتبتها قبل سنتين:
"أحيانًا أحس الفقير اللي يضحك مع أهله... أغنى مننا كلنا."
وقفت شوي وهي تقرا الكلمات.
بعدها قفلت الدفتر بسرعة لما سمعت طقات خفيفة على الباب.
"ادخلي."
فتحت الجوهرة الباب بحذر، ودخلت بخطوات مترددة.
كانت باينة خايفة، وشعرها البني منكوش كأنها كانت تركض قبل شوي.
قالت العنود بابتسامة خفيفة:
"ها يا جوهرتي، تعالي."
واضح إن الجوهرة خايفة... طفلة بعمر العشر سنين أكيد بتخاف.
قالت العنود وهي تعطيها السماعة:
"يلا حطي السماعات، اسمعي موسيقى ورسمي."
قالت الجوهرة بخوف:
"بس أبوي مره معصب."
ردّت العنود بهدوء:
"عادي يا روحي... شوي ويهدى."
رفعت العنود صوت الموسيقى بعد ما سمعت شيء ينكسر تحت.
نزلت بسرعة وقالت للخدامة:
"كارين، روحي فوق عند الجوهرة."
قالت كارين:
"أوكي ماما."
نزلت العنود الدرج الطويل المؤدي للدور السفلي، وكانت أصوات الهوشة تزيد مع كل خطوة.
في الصالة الكبيرة، كان مشعل آل السالم واقف قدام ولده متعب بنظرة مليانة غضب.
لابس بدلته الرسمية رغم تأخر الوقت، كأنه ما يعرف يكون أب أكثر من كونه رجل أعمال.
أما متعب، فكان واقف بعصبية واضحة، وكاسة زجاج مكسورة جنب رجوله.
صرخ متعب:
"أنا مو بزر عشان تتحكم بكل شيء أسويه!"
ردّ مشعل ببرود قاسي:
"وأنت مو رجال كفاية تتحمل نتيجة أخطائك."
تدخلت ملك بسرعة:
"خلاص بس! كل يوم نفس المشاكل بسبب الشركة."
لكن مشعل تجاهلها تمامًا.
قرب من متعب خطوة وقال:
"تعرف كم خسرت؟"
.رد متعب بعصبية:
"برجعها."
ضحك مشعل بسخرية باردة.
"ترجعها؟ وأنت حتى نفسك ما تعرف تديرها."
قبض متعب يده بقوة وقال:
"كل اللي صار بسبّبك أصلًا... حتى حياتي مو حياة."
ساد الصمت فجأة.
حتى ملك انصدمت من كلامه.
أما مشعل، فاكتفى يطالعه بنظرة تخوف قبل ما يقول:
"إذا مو عاجبتك حياتك... الباب يفوّت جمل."
رفعت العنود حواجبها بصدمة.
واضح إن هالعائلة ما عادت تعرف تتكلم مع بعض بدون غضب.
وفجأة انتبهت العنود لشخص واقف عند الباب الخارجي.
كان راكان.
السواق الخاص بالعائلة.
واقف بهدوء، لابس سترته السودا، وعيونه تتحرك بين أفراد العائلة بدون ما ينطق بحرف.
. من يوم اشتغل عندهم قبل سنتين، وهو يشوف هالمشاهد بشكل شبه يومي.
الغريب؟
إنه أبدًا ما كان ينصدم.
التقت عيونه بعيون العنود للحظة قصيرة.
وفجأة حسّت بشي غريب بنظرته...
شي يشبه الشفقة.
لفّت وجهها بسرعة.
قطع مشعل الصمت وهو يلتفت لهم:
"كل واحد يطلع غرفته."
تحرك متعب بعصبية للباب، ودفع الكرسي برجله بقوة قبل يطلع.
أما ملك، فوقفت مكانها شوي كأنها تحاول تمنع نفسها من البكي.
قربت منها العنود بهدوء.
"مامي..."
لكن ملك ابتسمت ابتسامة متعبة وقالت:
. "روحي نامي يا العنود."
وكانت ابتسامتها توجع أكثر من البكاء نفسه.
طلعت العنود فوق ببطء ودخلت غرفتها.
نروح عند متعب... بالسيارة:
كان يدق على زيد ولد عمه.
رد زيد.
قال متعب:
"وينكم؟ بالبيت؟"
قال زيد:
"إيه أنا وتركي."
قال متعب:
"أنا جايكم."
----------
برا القصر، عند المدخل الرئيسي...
كان المطر يزيد أكثر.
طلع راكان للسيارة السودا الواقفة قدام القصر، وجلس وراء الدركسون بدون ما يشغل السيارة.
ظل يطالع القصر لفترة طويلة.
القصر اللي الناس تحسبه جنة.
تنهد بصمت وهمس:
"بعض البيوت الكبيرة...
أضيق من القبور."
بين الفخامة والفقر،
بين الصمت والصراخ،
تبدأ حكاية ما راح تكون
مثل أي حكاية ثانية...
حكاية عن وجهين مختلفين...
لكن القدر قرر يجمعهم.
يتبع الفصل الثاني...