حين أصبح الجمال لعنة
مرت السنوات ببطء، وكأن الحياة كانت تختبر صبر هاجر يومًا بعد يوم.
كبرت شمس، وكبر معها جمالها بشكل لافت حتى أصبحت حديث القرية كلها. كانت تملك عينين زرقاوين صافيتين كسماء الشتاء، وشعرًا ذهبيًا ناعمًا ينسدل على كتفيها، أما بشرتها البيضاء وخداها الورديان فكانا يمنحانها جمالًا أشبه بالحكايات. كل من يراها يتوقف للحظات مبهورًا بملامحها، حتى النساء كن يهمسن عند مرورها: "سبحان من صورها."
لكن ذلك الجمال الذي كان يفترض أن يكون نعمة، تحول إلى لعنة في ذلك البيت القاسي.
كانت هاجر تخرج كل صباح للعمل في بيوت الناس أو في الحقول، تاركة ابنتها مع جدتها رقية وزوجة عمها سعدية. وهناك كانت شمس تعيش أيامًا مؤلمة لا يعلم بها أحد.
كانت سعدية تضربها لأتفه الأسباب، وتحرمها من الطعام أحيانًا، بل وكانت تتركها خارج المنزل في ليالي البرد القارس وكأنها ليست طفلة.
كانت شمس تجلس قرب الباب تبكي بصمت، تضم جسدها الصغير المرتجف وتنتظر عودة أمها فقط.
وما إن تعود هاجر متعبة من العمل حتى تركض شمس نحوها، ترتمي في حضنها وكأنها وجدت الأمان الوحيد في هذا العالم.
مرت الأعوام…
وأصبحت شمس في السادسة عشرة من عمرها.
ازدادت جمالًا بشكل جعل كل شباب القرية يلتفتون إليها، بل وحتى الرجال المتزوجون لم يستطيعوا إخفاء نظراتهم نحوها. وهذا ما جعل عمها يشعر بالخوف والطمع في الوقت نفسه. فقرر فجأة أن يمنعها من متابعة دراستها بحجة: "البنت الجميلة مكانها البيت، والدراسة ستجلب لنا المشاكل."
خافت هاجر على ابنتها، خاصة بعد كلام الناس ونظراتهم، فلم تستطع معارضة القرار رغم حزنها. وهكذا انغلقت حياة شمس داخل جدران المنزل.
لم تكن تملك صديقات، ولم تعرف شيئًا عن العالم خارج قريتها… كانت أمها فقط صديقتها وملجأها الوحيد.
أما سعدية، فكانت تستغل وجودها في البيت وتلقي فوقها كل أعمال المنزل، بينما ابنتها نورة، التي كانت أكبر من شمس، تواصل دراستها دون أن تساعد بشيء.
وفي إحدى الليالي، بينما كانت هاجر تمر قرب الغرفة، سمعت حديثًا جعل الدم يتجمد في عروقها.
كان عم شمس يقول بصوت منخفض: — "الرجل مستعد يسامحني في الدين كله مقابل زواجه من شمس."
ضحكت سعدية بخبث وقالت: — "وماذا سنخسر؟ على الأقل نتخلص منها."
شعرت هاجر وكأن الأرض انهارت تحت قدميها.
ذلك الرجل الذي يريدون تزويج ابنتها له كان معروفًا في القرية بسكره الدائم وقسوته على النساء. لم يكن يبحث عن زوجة، بل عن فتاة يشتريها بماله.
عادت هاجر إلى غرفتها ودموعها تنهمر بصمت، بينما كانت شمس نائمة ببراءة قربها، لا تعلم أن حياتها تُباع في الغرف المجاورة.
وفي الصباح الباكر، خرجت هاجر مسرعة نحو بيت فاطمة.
كانت فاطمة امرأة في الخمسينات من عمرها، أرملة تعيش مع ابنها الوحيد الذي يعمل شرطيًا. كان منزلها أكبر وأجمل منزل في القرية، لكنها رغم ذلك كانت متواضعة وطيبة القلب. أحبت هاجر وابنتها منذ سنوات، وكانت دائمًا تساعدهما كلما استطاعت.
جلست هاجر أمامها وهي تبكي، ثم حكت لها كل شيء… عن الزواج، وعن خوفها، وعن عجزها عن حماية ابنتها.
صدمت فاطمة مما سمعته، وقالت بحزم: — "لن أسمح لهم بتدمير حياة شمس."
ثم اقترحت عليها أن تأتي هي وابنتها للعيش معها، لكن هاجر رفضت بخجل وقالت: — "لا أريد أن أثقل عليكِ… أنت تعيشين مع ابنك."
صمتت فاطمة قليلًا وكأنها تفكر في حل ينقذ شمس، ثم رفعت نظرها نحو هاجر وقالت:
— "إذن… زوجي شمس لابن أخي."
تجمدت ملامح هاجر بدهشة، بينما أكملت فاطمة حديثها: — "هو رجل قوي، قاسٍ أحيانًا… لكنه شريف. وإذا أصبحت شمس زوجته، فلن يجرؤ أحد على أذيتها أو الاقتراب منها."