اللقاء اللي ما حد متوقعه
في القصر...
كانت قطرات المطر للحين تنزل على سقف القصر، والوقت كان بأول ساعات الفجر.
العنود ما نامت، طول الليل وهي تتذكر كلام أبوها:
"إذا مو عاجبتك حياتك... الباب مفتوح."
هالجملة كانت تدور براسها طول الليل.
"أبوي عمره ما قال لمتعب كذا... هو أصلًا يفضله علينا كلنا." قالتها بين نفسها.
"وفوقها متعب خسر الصفقة وقهر أبوي قبل كذا."
تنهدت وقالت:
"أوف برد... هانا... هانا... وينك؟"
ردت الخدامة هانا:
"إيه مدام، آمري."
قالت العنود:
"مام بغرفتها؟"
ردت هانا:
"لا مدام، بالصالة تشرب قهوتها."
قالت العنود:
"أوكي هانا، جهزي مشروبي الصباحي وحطيه بالصالة."
"أبشري مدام."
قبل تطلع من الغرفة وقفت عند الشباك، وطاحت عيونها على السواق راكان.
كان وجهه مألوف لها بشكل غريب، كأنها شايفته قبل... بس ما اهتمت.
عند عائلة آل السبيعي
كانت الأم شهد تصحي البنات.
"حور... الهنوف... قوموا، تأخرتوا على الجامعة!"
قالت الهنوف وهي مغطية راسها بالمخدة:
"يمه دقيقة... بس دقيقة."
قالت أم نواف:
"يا بنت الحلال قومي، عندك جامعة."
وبعدين قالت:
"ما عاد عندي حل إلا أبوك."
قامت حور وغسلت وجهها.
قالت الهنوف وهي متضايقة:
"خلاص خلاص... قمت."
صرخت حور:
"الهنوف قومي! الساعة سبع!"
قامت الهنوف بسرعة، وغسلوا وجيههم، لبسوا عباياتهم وطلعوا بدون فطور.
في صالة قصر آل السالم
كانت ملك جالسة.
دخلت العنود:
"صباح الخير مام."
"صباح النور يا العنود."
كان واضح على ملك الضيق.
سألتها العنود:
"مام نمتي زين؟"
تنهدت ملك:
"أحس لي سنين ما نمت زين يا العنود."
حاولت العنود تلطف الجو:
"مام عندي فكرة، إذا خلصت من الجامعة نطلع السوق أنا وياك ونغير جو؟"
قالت ملك وهي متأففة:
"وشلون أستانس وأخوك للحين ما ندري عنه من أمس؟"
دخل مشعل وقتها.
لابس بدلته السودا، وملامحه كلها غضب.
كان إذا دخل أي مكان يسكت الكل من هيبته.
جلس وهو يقلب بجواله.
قالت ملك:
"ما كان لازم تقسى عليه كذا يا مشعل."
صرخ مشعل:
"رجال بعمره يغلط ويخسرني صفقة كبيرة؟ قلت الرجال كبر وعقل... لكن متعب عمره ما بيتغير! وإنتي تعرفين وش تعبت عشان أوصل لكم هالحياة."
قالت العنود:
"بس يبه كان المفروض تكلمه بهدو—"
قاطعها وهو يصرخ:
"اسكتي! وش فاهمة إنتي؟"
هالكلمتين كانت كفاية.
قامت العنود وطلعت لغرفتها تبكي.
قالت ملك:
"تقول تعبت عشان تعيشنا هالحياة؟ طيب علمني كيف تعبت؟ لا... خلني أنا أقولك..."
قاطعها مشعل:
"اسكتي... إنتي عمرك ما راح تفهمين... يا ليتني ما قلت لك..."
وطلع وهو معصب.
برا القصر
كان راكان واقف عند السيارة.
طلع مشعل وقال بعصبية:
"جهز السيارة."
"أبشر."
فتح له الباب.
فجأة قال مشعل:
"وين متعب؟"
رد راكان:
"ما أدري... أظن ما رجع البيت من أمس."
ركب مشعل.
قال راكان:
"وين نروح؟"
"الشركة."
"أبشر.
"
تحركت السيارة.
وكانت العنود تراقبهم من الشباك، وطلع منها شهقة خفيفة.
---
كان الوقت 7:15 الصبح
عند عائلة آل السبيعي
كان ياسين وأبوه يرتبون أغراضهم بالصالة.
قال عارف:
"عندنا شغل كثير اليوم."
رد ياسين:
"إن شاء الله خير يا يبه."
دخل جاسم للمطبخ وجلس على الطاولة، وكان نص نايم.
قال:
"عدس مرة ثانية؟"
ردت أمه:
"لا والله ما تشوف؟ فيه لحم."
قال جاسم:
"يمه أوعدك إني بكمل دراستي وأتخرج، وبساعد أبوي وأخوي."
قاطعه نواف:
"إيه يتخرج وهو يهرب من المدرسة."
رد جاسم:
"تراني ما هربت، أصلًا ما فيه مدرسة اليوم."
دخل أبو نواف وقال:
"صباح الخير."
رد جاسم:
"صباح النور يا يبه."
قال أبو نواف:
"ما فيه صباح إلا بسواد وجهك، وش سويت بولد بندر؟"
قال جاسم:
"يا يبه كنا نلعب أنا وعيال الحارة، فجأة جا ورمانا بالحجارة، بعدين ضربناه وهربنا، وهو صار يطاردنا أمس."
قال أبو نواف:
"إيه والله يستاهل، أنا بعد إذا شفته يمكن أرميه."
ضحكت شهد.
كان أبو نواف تعبان، بس شوفته لأهله كانت تنسيه تعبه كله.
حتى نواف كان يحمد الله على نعمة ما عند كل الناس:
الراحة.
---
نرجع لقصر آل السالم
جلست العنود على سريرها تمسح دموعها.
رفعت راسها للساعة...
7:30
قالت:
"أفف... تأخرت!"
قامت بسرعة، سوت السكن كير، جهزت عبايتها.
طقّت أمها الباب.
قالت العنود:
"وش تبين ماما؟"
قالت ملك:
"لا تزعلين من أبوك، تعرفين إذا عصب يقول كلام ما يقصده."
قالت العنود وهي تبكي:
"ما يقصده؟ تعرفين إننا مو عائلة؟ إحنا ناس ساكنين تحت سقف واحد... ما فيه جلسة عائلية بدون صراخ... حتى الغلط ما فيه تسامح، لازم الواحد يشيل غلطته لحاله..."
كملت وهي شهقاتها تزيد:
"وتعرفين سبب كل هالمشاكل مين؟ أبوي... مشعل آل السالم... رجل الأعمال الناجح اللي ثروته ما تنعد... بس اللي يعيش معنا يعرف إننا مو عائلة... إحنا أعداء..."
سكتت شوي.
"صح أنا ومتعب ما نتفاهم... بس يظل أخوي... وعندي إحساس يا يمه... إحساس..."
قالت ملك بهدوء:
"كلامك صح... بكل شيء... كلامك صح."
ما ردت عليها.
لأنها كانت تدري إن كل كلمة قالتها العنود صح.
طلعوا للمطبخ.
قالت ملك للخدامة دينا:
"صحّيتي الجوهرة؟"
ردت هانا:
"لا مدام."
قالت ملك:
"خلاص أنا بصحيها، جهزي دواها وجيبيه غرفتها."
وتذكرت كلام الدكتورة قبل خمس شهور:
"بنتكم عندها مرض بالقلب بسبب التوتر، وتحتاج عملية بعد عمر 15 سنة، ولحد ذاك الوقت لازم تبعد عن التوتر وتشرب دواها بانتظام."
دخلت ملك غرفة بنتها جوهرة.
كانت نايمة.
نظرت لها أمها بخوف وندم.
فتحت جوهرة عيونها:
"ماما؟ إنتي هنا؟"
قالت ملك:
"إيه يا روحي، قومي خذي دواك واغسلي وجهك ونفطر سوا."
قالت جوهرة:
"تمام ماما."
---
في حديقة القصر
انفتحت البوابة.
دخلت سيارة سوداء فخمة.
كانت سيارة آل الدخيل، أهل أخت ملك.
نزلت العنود وهي رايحة للجامعة.
شافت خالتها، سلمت عليها، ولفت تدور على السواق.
قالت وهي معصبة:
"وين ناذر؟ وينه؟ تأخرت!"
قال المزارع:
"مريض اليوم، ما جا."
بنفس اللحظة دخلت سيارة أبوها.
وكان يسوقها راكان.
لما شاف العنود عرف إنها متأخرة ومتوترة.
ناداها:
"آنسة العنود... تعالي أوصلك للجامعة."
قالت بسرعة:
"أخيرًا! أخيرًا أحد لقيته... دقيقة جاية."
استغرب راكان.
ما توقع تكون بهالتواضع.
ركبت السيارة وقالت:
"السلام عليكم."
رد باستغراب:
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته."
سكتوا.
راكان ما عرف وش يقول.
كان مرتبك.
أول مرة يتكلم مع بنت بهالطريقة.
قطع الصمت اتصال.
كانت تالا.
قالت العنود:
"ألو."
قالت تالا:
"وينك؟ الساعة ثمان!"
قالت العنود:
"قربت أوصل، دقيقة."
انقطع الاتصال.
التفتت لراكان:
"لو سمحت... تقدر تسرع شوي؟"
قال:
"أبشري."
وقبل يوصلون الجامعة...
شافت سيارة قديمة.
كان فيها شاب بعمر العشرين ورجل بعمر أبوها.
طالعته بنظرات غريبة...
كأنها تعرفه.
بس نواف ما كان منتبه، وكان يكمل كلامه مع أبوه.
---
في الجامعة
كانت العنود تمشي عند البوابة.
فجأة اصطدمت ببنت.
قالت الهنوف:
"آسفة."
ابتسمت العنود:
"لا عادي، حصل خير."
وكملت الهنوف طريقها مع حور.
--
---
عند بيت ولد عم متعب، زيد آل السالم
كان متعب وزيد وتركي نايمين.
فجأة دخل سعود أخو مشعل وهو معصب:
"الله ياخذكم! قوموا يا عديمي الفايدة قوموا!"
انفزعوا كلهم وقاموا من النوم.
قال زيد بخوف:
"أبوي... صباح الخير."
قال سعود:
"قال صباح الخير قال! أي صباح وسواد وجيهكم! ما تتركون سوالفكم هذي أبد..."
طالع بالساعة.
"شوفوا الساعة! 12 الظهر! من متى دخلتوا البيت أمس ها؟"
قال متعب:
"أربع الفجر."
قال سعود بسخرية:
"ما شاء الله! ما شاء الله على عيال العيلة! ومتعب، أبوك يدورك بالرياض كلها، قم الحين وروح له..."
وقف شوي وكمل:
"ولا تخاف... أنا ببشره بسواد وجهك."
ونزل وهو معصب.
قال تركي:
"خلاص... أبوي بيذبحني اليوم."
قال متعب:
"مو أنت لحالك... أنا أمس خسرت صفقة كبيرة لأبوي، مدري وش بيسوي إذا شفته."
قال زيد وتركي بنفس الوقت:
"أنت من آل السالم، كل شيء يتعوض بثواني."
ضحك متعب بسخرية:
"أدري كل شيء يتعوض... بس عند أبوي كل ريال له حساب."
قال زيد:
"يلا قوموا قبل لا يبدأ زوج خالتي فينا قبل عمي سطام."
---
في قصر آل السالم – مجلس الحريم
دخلت هند عند أختها ملك.
كانت ملك جالسة مع جوهرة وهي ترسم.
قالت ملك بابتسامة:
"أهلين بالأخت الغالية."
قالت هند وهي معاتبة:
"لا أهلين ولا سهلين! لا اتصال ولا رسالة! وش فيك يا ملك؟"
ردت ملك:
"شلون؟ مو كنتي مسافرة مع زوجك وعيالك؟ المفروض إنتي اللي تتصلين..."
وبعدين كملت:
"وبعدين الهنوف كانت تعبانة."
قالت هند:
"خلاص خلينا من الاتصالات... قولي لي، وش أخبارك مع مشعل؟"
تنهدت ملك:
"مثل ما تركتينا."
قالت هند:
"والله بكل هالعز والغنى المفروض تشيلين مشعل بعيونك يا أم العنود."
رفعت ملك رأسها بسرعة.
"وش؟ إنتي أصلًا تعرفين زواجي من مشعل كيف صار."
قبل ترد هند...
دق الباب.
قالت ملك:
"مين؟"
جا صوت راكان:
"أنا يا أستاذة ملك... السواق."
قالت له:
"روح الصالة، أنا جاية."
طلعت ملك وهي تقول:
"وش يبي الحين؟"
ردت هند:
"روحي شوفي وارجعي."
---
في الصالة
كان راكان واقف جنب الكنب.
دخلت ملك...
وفجأة...
انصدمت.
ثبتت بمكانها.
عيونها توسعت.
وجهها شحب.
وفجأة طاحت على الأرض.
وأغمي عليها.
انفجع راكان.
ركض لها بسرعة.
أخذ موية ورش عليها.
شهقت ملك.
قال راكان بخوف:
"أستاذة ملك! أستاذة ملك! إنتي بخير؟"
على الصوت لحقت هند تركض.
أول ما شافت المشهد صرخت:
"أنت!... أنت وش سويت؟!"
كانت ملك ترتجف وتردد كلمة وحدة:
"يشبهه... يشبهه..."
وقف راكان مكانه.
مصدوم.
مرتبك.
مو فاهم شيء.
وبسبب الخوف طلع برا القصر وهو محتار...
مين الشخص اللي يشبهه؟
وليه أول ما شافتني استاذة ملك أغمي عليها؟
---
"وفي زاوية من الماضي كانت الحقيقة مدفونة لسنين... لكن مجرد وجه واحد كان كفيل إنه يوقظ كل شيء من جديد."
يتبع الفصل الرابع ....