بدايه حرب 9
بعد مغادرة أهل عبدالله بيت أبوجزيل ذهب الكل إلى نرجس وصاروا يسألونها عن رأيها وهل أعجبها وإن كانت تريد الإستمرار بهذا الإرتباط ، كانت شاردة وغائبة عنهم تماما ولكنها أكدت أنها لم تقرر بعد وستفكر قليلا ثم تعلمهم عن رأيها النهائي.
أما عبد الله فكان كبركان هائج غاضب ومتأجج لايعلم حتى السبب ، فما حدث طبيعي تماما هي فتاة خائفة من أهلها ولاتريد أن تواجههم ماسبب غضبه العارم هذا منها ...لا أحد يعلم ....كان بغرفته يلعب بلايستيشن وهو يسب ويلعن دون سبب واضح ، طرق الباب وأذن لطارق بالدخول ،كان زاهر دخل بهدوء وصمت وهو خائف وخجل ، نظر له عبدالله وصاح :" عندك أفكار جديدة تودينا ورا الشمس ولا إيش ؟" زاهر :" وش أسويلك مكتوبك كذا ؟...هذي امي أمس وأنتوم هناك كانت تحلف أنه البنت ماراح تقبل وأنها متمسكة برأيها وحابة تعنس مدري إيش خلاها تقبل...يمكن منجد حابتك..." زمجر عبدلله في وجهه:" أقول خليك محضر خير أو أنقلع.... "زاهر جلس بجانبه وأخذ اليد الأخرى للبلايستيشن ليلعب وقال:" طيب هي إيش قالت ؟!" عبدالله يتذكر طريقة جلوسها ،فستانها الأحمر المطرز بخيوط سوداء وكعبها العالي الذي رغم علوه لم يوصلها إلى طوله ،شعرها الناعم الذي غطى وجهها وكيف كانت تدير وجهها عنه كي لا يراها لأنها تعلم أنه لا يريدها وكيف كانت تتكلم بصوت عذب صارم وعند وقوفها أمامه بدت وكأنها تعرفه فلم يرجف لها جفن ،وطريقة تحديها له كانت شرارة أشعلت بصدره نارا،افاق من شروده وقال عبدالله:" تقول اعطت أهلها وعد أنها مارح ترفض عرسان مرة ثانية،ومن حظي طلعت أنا العريس هذا....وقالت تصرف".زاهر :" إيه ؟...وإنت وش ناوي تسوي؟ ". عبدالله :" وش أسوي ؟، يعني أروح لأمي وأقلها أنا لعبت عليك يعني! ،ما أدري !؟" .زاهر :" لأ أنت ....." قاطعه عبدالله بصرامة :" لأ إنت بالذات ما تقول شي يخرب بيت عقلك وديتني فدهية، خلاص ماعاد تفكر ." زاهر بإصرار :" بس إسمعني ...(تململ عبدالله بينما أكمل الآخر )روحلها المستشفى وأطلب منها ثاني ..يمكن توافق هالمرة إذا شافتك مصر.. جايز تعتقك مو معقولة يعني تفرض نفسها عليك.؟" عبدالله بتافف :" لا أنت نجنيت خلاص أروح لها بصفتي شنو ؟ ...من متى حنا نقابل بنات الناس ...." قاطعه زاهر :" لا أنت ماراح تقابلها ..إنت راح تكلمها بس ...من بعيد ....." وقف عبدالله مبتعدا عنه وهو يتنهد:" ما أدري، ما أقدر ..هذي حرمة مايصير ..."
زاهر نهض وهم بالمغادرة :" بكيفك ....أنا وراي شغل ولازم أروح ..." وضع يده على كتف عبدالله فبادله الآخر بعناق أخوي كدليل على عدم غضبه منه تصافحا وغادر زاهر تاركا إياه يزفر ويتنهد وهو لايفهم شيئا.
كانت نرجس بالمستشفى تقوم بعملها وهي صامتة وتائهة كورقة شجر في خريف تهزها الرياح .تتذكره وهو جالس بكل ثقة، كيف أخبرها ببرود أنه مازال مصر على ألا يتم هذا الإرتباط، تفكر لما كل هذا الإصرار ، هل لأنه مازال يحب الأولى؟ أينوي العودة؟لكن ما أبقى فؤادها مشتعلا كيف تبرز وسامته رغم المرض كيف أن سمار بشرته وهالاته السوداء تزيده جاذبية شعره الأسود سواد الليل،طوله الشامخ وكيف بدت ضئيلة أمامه ، وأخيرا أكثر شيئ يميزه ويخطر ببالها عندما تتذكره ،غمازاته كيف كانت تبرز وهو يتكلم ، رغم أنها تملك واحدة إلا أنها تفصيلة لطالما ظنت أنها أجمل عليه.
فجأة ، إحدى الممرضات :" نرجس ، إنت عندك إتصال ." نرجس توترت بشكل واضح :" منو....؟" الممرضة :" أمك " تنفست نرجس الصعداء وذهبت لتلقي المكالمة :" هلا يمه ..."
أمها :" هلا ببنيتي ،شلونك يمه ..عساك بخير"
:" أنا بخير يايمه لا تخافي علي "
:" والله يايمه قلبي واجعني عليك ،كنتي ظلي بالبيت اليوم بعد ترتاحين أكثر ."
:" يايمه لاتخافي ، أنا بألف خير ولا يهمك إذا فيني شي راح رد البيت على طول ."
:" طيب ياقلبي نتبهي لنفسك،وطمنبني عليك ."
:" حاضر ، تامرين بشي؟"
" لا يا يمة أريد بس سلامتك مع السلامة".
وأغلقت الخط ومشت في الممر لتكمل عملها ،ورد إتصال آخر وردت الممرضة المسؤولة عن إستلام المكالمات ،ثم سمعتها نرجس تنادي عليها،
:" نرجس.... إتصال علشانك."
إلتفتت نرجس إليها ووقفت لدقيقة تنظر بشرود،من ممكن ان يكون؟ كانت متوترة وخائفة ،أشارت برأسها للمرضة بمعنى من ،فقالت الأخرى
:" واحد يقول إسمه عبدالله... خطيبك ."
توترت أكثر وإزداد تنفسها كانت تبتلع ريقها بكثرة وهي تقترب من سماعة الهاتف، تنفست وكأنها تحتضر وقالت :
": أ..ألو ..."
:" السلام عليكم " لا رد
:" بتسمعيني ..."
:" أسمعك ..."
:" السلام لله "
:" وعليكم السلام خلصني ."
:" يابنت الحلال وش مسويلك أنا حتى حاقدة علي كل الحقد هذا ؟ ". مسحت نرجس دمعة ساخنة وكأنها تخاف أن يراها ..
:" أقول إخلص ...كذا عيب مايصير ...إحنا ما بينا شي حتى كل شوية تتصل "
:" طيب .....مافكرتي باللي قلته !؟"
أجابته بإندفاع حاد :" أفكر بشنو ...أنا قلت اللي عندي خلاص أنت إتصرف ."
:" لا ....بس إسمعيني، أنا والله ما أعرف شلون أشرحلك .... تكفين .."
وكانت كل كلمة يقولها سكين بقلب تلك المسكينة
:" وأنا ما أقدر ، أبوي مريض ضغط والمرة الأخيرة طاح علينا وكان راح يروح فيها ، حس يا أخي أنا ما أقدر ".و بكت بصمت....
أشفق عبدالله عليها ولم يستطع أن يضغط عليها أكثر
:" بس أنا يا بنت الحلال ما أبي هذا الزواج ..وإذاتم ما حد مننا راح يكون مبسوط لا أنا ولا إنتي ."
وأغلق الخط .........
بقيت نرجس تمسك سماعة الهاتف لكم ثانية ثم اغلقت ،وإتجهت إلى عملها وهي تبكي وتإن من الداخل ، ماهذه الإهانة!، ماهذا البرود !أيعقل أنه إختفى عبدالله الذي أحبته! ..إنتظرته! حتى بعد زواجه الأول ، لماذا تقوم أمه بإخبارها أنه هو من إختارها هل هي تكذب؟، أم أنه هو من كذب عليها؟ ،فجأة بدا كل شيئ واضح ، ربما هو يعلم أنها ترفض كل العرسان ، ربما هو أخبر أمه ان تخطبها لتقوم هي برفضه ، نعم هذا هو التفسير الوحيد والمنطقي ، امسكت رأسها وهي تصرخ من الداخل أي دوامه هذه، هل هذه هي الحماية التي وعدتني بها؟ ، تستغلني بهذا الشكل الأناني؟ ، دخلت إلى الحمام غسلت وجهها وحاولت قدر المستطاع أن تكمل عملها دون مشاكل .
كان عبدالله يجاهد لكي لا يتعاطف معها ، رغم أنه إجتهد ليجعلها ترفض إلا أنه الآن أصبح يشفق عليها ويتفهمها ، المسكينة كانت تحمي والدها من إنتكاسة أخرى وهنا قرر إعطاءها سببا قويا لترفض وتكون عائلتها راضية عن رفضها ،خرج من غرفته مسرعا بإتجاه المطبخ مناديا: يمه "وكانت أمه تطهو الغداء بمساعدة الخادمة ،إلتفتت بسرعة عندما سمعته ،
": خير يايمه فيك شي ؟"
:" لا أنا ما فيني إلا العافية، بس أبيك بكلمة "
:" طيب يايمه قول إيش تبي ؟"
عبدالله وهو متوتر للغاية للغاية
:" لبنية هذي ...يعني .. البنت ممرضة يعني مايصير ..."
:" مايصير شنو يمة !...أنا ما فهمت؟ "
:"يعني.. ما أريدها تشتغل وكذا... تدرين عيب وكذا "
وهنا ضحكت أمه وقالت
:" إنت تتكلم عن نرجس !؟هههههه قول من أول يايمه والله أنك وترتني معاك"
:" إيه ..هذي هي انا ما أبيها تشتغل ، يعني إذا خلص تزوجنا ... ما أبيها تروح تشتغل بالمستشفى "
:" بس إنتو ماتفقتو يوم رحنا يمهم ؟"
:" لا ...ما تفقنا ..ماجا ببالي وقتها شغلها وكذا ..."
:" أدري ،البنت قمر ماشاء الله عليها تهبل ،وش تفكر ولا وش تفكرفيه انت بوقتها، ههه ، خلص أنا كنت بكلم أمها وأسأل إذا هي موافقة ، وبقول لها كل اللي قلته ولا يهمك، أصلا أنا متأكدة أنها بتوافق ، كاملة ومكملة عقلها يوزن بلد ماشاءالله تبارك الله "
عبدالله بسخرية :" الله يبشرك بالخير يمه " . تظاهر بالإبتسام وغادر المطبخ وهو مضطرب بشكل واضح
تتبعه أمه بعينيها وتقول بينها وبين نفسها
:" والله أنك لقيت دواك يا قلب أمك " .
عادت نرجس إلى البيت بعد الدوام ، كانت منهكة ومحطمة نفسيا تفكر في حلمها الذي أضحى كابوسا مزعجا ، كانت تترنح صعودا بالدرج حتى نادتها أمها
:" نرجس ،حبيبتي ...أهلا وسهلا يمه
:" هلا فيك يمه "
:" شلونك يمة طمنيني إن شاءالله ماتعبتي"
:" لاماتعبت بس شوية إرهاق من الشغل "
:" طيب إرتاحي شوي ، وأنا بعد شوية أجيبلك أكل وفي موضوع بعد أريد أكلمك فيه".
أحست نرجس أنها تريد أت تسألها إن كانت موافقة على إكمال هذه العلاقة ، فهي كانت مترددة آخر فترة ولم تعطهم أي جواب حاسم ، دخلت غرفتها إستحمت ثم صلت ،تصطحت قليلا كانت تفكر في كل تلك الأحلام التي بنتها في عقلها مع عبدالله، هو لم يعدها بشيئ لكنها أحست بشيئ سكن قلبها وعاش فيه لفترة طويلة ....الأمل، لكن ما الذي جعلها تتمسك بهذا الأمل مع رجل لم تعرف منه إلا ذكريات معدودة لا يمكن لأحد أن يعتبرها وعدا أو حتى إعترافا بالحب ، فهما كانا طفلان وككل الأطفال لعبا معا وضحكا وهو كان يمثل دور البطل الحامي كأي طفل بعمره ، ربما بالغت قليلا في تعلقها به و هذا ليس خطأه فهو لم يعدها بشيئ كما سبق وذكرت ولهذا ربما عليها أن تتراجع عن عنادها وتمنحه ما طلب ، فالأمر بيدها ووالديها لن يرغمانها وإن غضبا قليلا لكن ليس مهم ستمنحه مايريد، وكانت قد بدأت تفكر بجدية أن ترفضه....
هنا دخلت أمها الغرفة وهي تحمل بعض الطعام ،جلست إلى جوارها وهي تراقبها وهي تأكل على مهل ثم بدأت الإثنان تتبادلان أطراف الحديث
:" هاه يا يمة ما قلتي إيش رايك بعبدالله "
بخجل:" ما أعرف .... يعني عادي ما به شئ"
:""شوفي يمّه، إذا تبين شورنا فأنا وأبوك وايد عاجبنا الرجال. عبدالله يا بنتي ينشرى بفلوس، ما شاء الله عليه.بس إذا إنتي مو مرتاحة له، هذي حياتك وقرارك، وإنتي حرة بالنهاية."
تنهدت وأذعنت للأمر الواقع وكانت قاب قوسين أو أدنى أن تخبرها برفضها لكن أمها أكملت
:" والرجال يا يمّه شاريك شرا. اليوم دقت علي أمه تقول إنه ما يبيك تكملين شغل التمريض بعد الزواج، من كثر غيرته عليك. وتقول وهي تضحك إنه وهو يتكلم عنك ما عرف يكمل جملته من كثر الشوق واللهفة."وضحكت بعفوية...
ولكن المسكينة لم تعلم أي كارثة صنعت فقد أضرمت نيران غضب لايطفأها إلا غيمة غاضبة بقدرها ، ماذا يفعل لماذا يفعل كل ما يفعله يترجاها أن ترفضه بينما يمثل أمام الجميع أنه يحبها، بقيت هادئة أمام أمها ولكنها كانت تتآكل من الداخل، أحست أنه يريدها أن تبدو كشريرة وهو الضحية المسكينة ، يحبها ولكنها ترفضه ، تمالكت نفسها لكنها تكلمت كمن تلقى لكمة على وجهه من شدة غضبها
:" قلتي يحبني ؟ زين.. والوحدة مننا إيش رايدة غير كذا ، خلص موافقة اتزوجه ورح أترك التمريض بعد "
كانت تبتسم بلؤم وهي تقوله هذه الجملة .
في رأيها ليس عليها أن تفعل شيئا لأجله ليست مدينة له بشيئ لايريد هذا الزواج ليقل هذا بنفسه .