العوض
الفصل العاشر: العوض
لا يأتي العوض دائماً على شكل معجزة سماوية تغير الواقع بضغطة زر، بل يأتي على شكل حياة جديدة تتقبلها تدريجياً، وتتعلم كيف تعيشها بحب وأمل رغم كل ما فقدته في الطريق.
بعد كل ما مررت به من انكسارات، لم تعد الأيام تشبه بعضها كما كانت في السابق؛ كان هناك اختلاف واضح وجلي، ليس في الظروف الخارجية المحيطة بي فقط، بل في داخلي أنا وفي نظرتي للأمور. بدأت الحياة تأخذ إيقاعاً مختلفاً تماماً؛ أبطأ، أبسط، وأكثر وضوحاً ونضجاً مما اعتدت عليه.
لم أعد أبحث بلهفة عن إجابات لكل شيء، ولم أعد أستنزف نفسي وطاقتي في محاولات بائسة لفهم كل التفاصيل التي لا يمكنني التحكم بها أو تغييرها. شيئاً فشيئاً، بدأت أستعيد نفسي الضائعة؛ ليس كما كنت تماماً في الماضي، بل كما أصبحت بعد كل ما حدث من صقل وتجارب.
في البداية، كان الأمر مجرد محاولة للبقاء على قيد الحياة؛ أن أستيقظ كل صباح، أن أكمل يومي، وأن أواجه ما هو أمامي مباشرة دون أن أنهار أو أستسلم. ثم بدأ هذا البقاء البسيط يتحول تدريجياً إلى شيء آخر أعمق... إلى رغبة حقيقية في العيش والاستمتاع، لا مجرد الاستمرار الآلي. بدأت أعمل بجد، أتعلم أشياء جديدة، وأبني لنفسي كياناً صغيراً يشبه الاستقرار والنضج.
لم يكن استقراراً كاملاً ومثالياً، لكنه كان كافياً جداً لأشعر بأنني لم أعد أقف في نقطة الصفر أو تحت الأنقاض. ومع مرور الوقت، بدأت أفهم أن العوض الحقيقي لا يمحو الماضي وما حدث فيه من آلام، بل يعلمك كيف تتعايش معه وتتجاوزه دون أن يدمرك. لم يعد للماضي نفس القوة والجبروت علي؛ ما زال موجوداً كجزء من تاريخي، لكنه لم يعد يقود حياتي أو يحدد مستقبلي.
وفي مكان ما بين التعب والهدوء، بدأت أجد نفسي من جديد... ليس كنسخة قديمة مشوهة، بل كإنسانة مختلفة تماماً ومصقولة، صنعتها التجارب والدروس لا الظروف الاستسلامية. عندها فقط، أدركت وايقنت أن العوض الحقيقي ليس شيئاً يأتينا من الخارج دائماً... بل هو ما يُبنى في داخلك بصمت وصبر ويقين.