ما بين السكوت و الوجع - كيف صرت أقوى - بقلم نور طه - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: ما بين السكوت و الوجع
المؤلف / الكاتب: نور طه
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: كيف صرت أقوى

كيف صرت أقوى

الفصل الثامن: كيف صرت أقوى لم تكن القوة قراراً اتخذته في لحظة واحدة عابرة، بل كانت نتيجة تراكم طويل من التعب والوجع، من الفهم والوعي، ومن الانكسار الهادئ الذي يعيد تشكيل الروح. بعد كل ما حدث، لم أعد كما كنت سابقاً، ولا أستطيع القول إنني تعافيت بالكامل من كل الجراح، لكنني بدأت أرى الأشياء بشكل مختلف وناضج. هناك لحظة لا تُنسى، لحظة إدراك ثقيلة ووعي حاد: أن الاستمرار بنفس الطريقة وبنفس العقلية لن يعيد ما فقدته، بل سيزيدني فقداً وضياعاً لنفسي. عندها، بدأت أعيد حساباتي وأعود خطوة خطوة إلى ذاتي؛ ليس دفعة واحدة وبشكل مفاجئ، بل بشكل بطيء ومدروس يشبه إعادة بناء شيء تهدم بصمت وصبر. بدأت ألاحظ نفسي من جديد... كيف أشعر، ماذا أريد حقاً، وأين يجب أن أقف من كل ما يحدث حولي من فوضى وعلاقات. لم يعد قلبي يتبع كل شعور عابر دون تفكير وحذر، بل بدأ يتوقف، يسأل ويتأمل قبل أن ينجرف وراء العاطفة. كنت أتعلم كيف أضع حدوداً صارمة وصحية لم أكن أعرف بوجودها من قبل؛ ليس لأنني أصبحت قاسية وجافة، بل لأنني فهمت أخيراً أن الإهمال المستمر للنفس وتهميشها ليس حباً بل انتحار. ومع الوقت، بدأ الألم يفقد سلطته وجبروته علي؛ ليس لأنه اختفى تماماً من حياتي، بل لأنني توقفت عن إعطائه كل هذه المساحة الشاسعة داخلي. صرت أختار نفسي أولاً في أشياء صغيرة؛ في السكوت حين يجب السكوت حماية لسلامي، في الابتعاد فوراً حين يلزم الأمر، وفي المواجهة الشجاعة حين لا بد منها. لم أعد تلك الفتاة الضعيفة والمستسلمة التي تنتظر من العالم الخارجي أن يفهمها ويحتويها، بل صرت أحاول أن أفهم نفسي أولاً وأحتويها، قبل أن أطلب ذلك من الآخرين. وفي هذه الرحلة الطويلة الشاقة، اكتشفت أن القوة الحقيقية ليست في ألا نتألم أبداً، بل في أن نستمر في السير والنمو رغم الألم، دون أن نفقد أنفسنا بالكامل في الطريق. وهكذا، بدأت أكون أقوى؛ ليس لأنية الحياة أصبحت أسهل وأكثر وردية، بل لأنني أنا أصبحت أكثر وضوحاً، وعياً، وصلابة بالنسبة لنفسي.